
من حدود النار إلى خرائط الوهم: لماذا لا تصنع الجماعات المتطرفة وطناً على أنقاض سورية؟
في كل مرحلة ضعف تمر بها الدول، تظهر جماعات تحاول أن تتعامل مع الفراغ السياسي وكأنه حق تاريخي، ومع الاضطراب الأمني وكأنه فرصة لإعادة رسم الخرائط. غير أن الفارق بين مشروع سياسي قابل للحياة ومشروع أيديولوجي عابر، هو أن الأول يقوم على الواقع والشرعية والمجتمع، بينما الثاني يعيش على فكرة أن اللحظة العسكرية يمكن أن تتحول تلقائياً إلى سيادة دائمة.
الحديث عن جماعات استيطانية متشددة تدعو إلى تحويل الجنوب السوري إلى امتداد لمشروعات دينية أو أمنية لا ينبغي التعامل معه بمنطق الذعر، ولا بمنطق التهوين أيضاً. لأن الخطر الحقيقي لا يبدأ من عدد الأفراد، بل من محاولة تحويل خطاب متطرف إلى فكرة قابلة للتداول السياسي.
لكن هنا يجب التمييز بين أمرين: بين الوقائع على الأرض، وبين اللغة التعبوية التي تصنع لنفسها صورة أكبر من حجمها.
حين تُطرح روايات دينية أو أسطورية باعتبارها أساساً للسيطرة على الأرض، فإننا لا نكون أمام مشروع جيوسياسي جديد، بل أمام عودة إلى منطق تجاوزته البشرية منذ زمن طويل؛ منطق يعتبر التاريخ ملكية، والذاكرة سنداً عقارياً، والجغرافيا مجرد تفصيل مؤقت.
سوريا – أيّاً كان موقف الناس من أنظمتها المتعاقبة أو من مآلات الحرب فيها – ليست فراغاً جغرافياً ينتظر من يملؤه، ولا مساحة قابلة للتقسيم وفق سرديات لاهوتية أو أمنية. سوريا كيان تاريخي تشكل عبر قرون من التداخل السكاني والثقافي والاجتماعي، ولم يكن الجنوب السوري يوماً أرضاً بلا مجتمع أو بلا هوية حتى يُعاد تعريفه من خارج حدوده.
ومن المهم هنا تفنيد فكرة تتكرر كثيراً في مثل هذه الخطابات: أن الوجود العسكري المؤقت يمكن أن يخلق شرعية مدنية دائمة.
التاريخ الحديث يقول العكس تماماً.
كم من قوة دخلت أراضي الغير بقوة السلاح ثم اكتشفت أن السيطرة العسكرية لا تُنتج بالضرورة قبولاً اجتماعياً، وأن بناء المستوطنات أو فرض الوقائع لا يخلق انتماءً ولا يلغي هوية السكان. الأرض لا تُقاس بعدد النقاط العسكرية ولا بعدد الخرائط التي تُرسم في مراكز الدراسات، بل بقدرة الناس على الاستمرار فوقها والإيمان بأنها وطنهم.
أما الخطاب الذي يستخدم شعار “حماية الأقليات” بوصفه مبرراً للتمدد السياسي أو العسكري، فهو خطاب يحتاج إلى تدقيق أخلاقي وسياسي. حماية أي مكوّن داخل دولة لا تكون بفصله عن محيطه ولا بتحويله إلى منطقة نفوذ. التجارب الحديثة أثبتت أن الأقليات لا تزدهر عندما تُستثمر سياسياً، بل عندما تكون جزءاً من عقد وطني متساوٍ.
ومن هنا تبدو بعض التصورات التي تُقدَّم حول الجنوب السوري وكأنها تتجاهل حقيقة أساسية: السويداء ليست مشروع انفصال، ودرعا ليست أرضاً معلقة، وحضر ليست مجتمعاً يبحث عن وصاية خارجية. هذه مناطق سورية، تختلف سياسياً كما يختلف السوريون جميعاً، لكنها لم تتحول إلى هوية منفصلة عن الدولة أو عن المجتمع السوري الأوسع.
ثم إن الرهان على هشاشة سوريا يحمل في داخله سوء قراءة للتاريخ السوري نفسه.
هذا البلد مرّ باحتلالات، وانقلابات، وانقسامات، وحروب أهلية، وتدخلات إقليمية ودولية، لكنه ظل يحتفظ بفكرة الدولة الواحدة حتى عندما ضعفت مؤسساتها. لم تنتصر سوريا دائماً، لكنها لم تُمحَ.
والأخطر من أي مشروع استيطاني أو توسعي ليس ما يعلنه أصحابه، بل أن يبدأ السوريون أنفسهم بالتعامل معه كقدر محتوم.
ذلك أن الرد الحقيقي لا يكون بالشعارات، ولا بإنتاج خطاب مضاد يقوم على الإقصاء والكراهية، بل بإعادة بناء فكرة المواطنة السورية: دولة تحمي حدودها لأنها تحمي شعبها، وشعب يتمسك بوحدته لأنه يرى فيها ضمان مستقبله.
الخرائط يمكن أن تتغير على الورق.
أما الأوطان فلا تُصنع بالكاميرا ولا بالشعارات ولا بالمخيال الديني.
وسوريا، مهما أثقلتها الجراح، لا تزال اسماً لجغرافيا واحدة وشعب متعدد لا يحتاج إلى من يعيد تعريفه من الخارج.