
من كرسيّ السلطة إلى قفص الاتهام: قراءة موضوعية اريد لها أن تكون محايدة شفافة ونقية لمحاكمة عاطف نجيب العلنية؟
في مشهد كان يبدو مستحيلًا قبل سنوات، جلس عاطف نجيب اليوم داخل قاعة المحكمة ليستمع إلى لائحة اتهامات ثقيلة: القتل العمد، والتعذيب حتى الموت، والخطف، وسرقة المال العام. وبينما كان القاضي يتلو التهم، لم يكن السوريون يتابعون مجرد محاكمة رجل أمن سابق، بل كانوا يشاهدون تصادم مرحلتين كاملتين من تاريخ سوريا: مرحلة كانت فيها السلطة فوق المساءلة، ومرحلة تحاول — ولو متأخرة — أن تضع القوة تحت سلطة القانون.
السؤال الأهم هنا ليس فقط: هل ارتكب عاطف نجيب هذه الجرائم؟ فالمحكمة وحدها تملك حق إصدار الحكم. لكن السؤال السياسي والأخلاقي الأعمق هو: كيف وصل جهاز الدولة في سوريا إلى مرحلة يصبح فيها التعذيب وسيلة اعتيادية، ويُنظر إلى القسوة باعتبارها شكلًا من أشكال “حماية النظام”؟
أنصار النظام السابق لطالما دافعوا عن شخصيات أمنية مثل عاطف نجيب باعتبارها كانت تواجه خطر الفوضى والانهيار، وأن البلاد كانت تعيش ظروفًا استثنائية تستدعي الحزم. وهذا النقاش ليس جديدًا في تاريخ الدول؛ فكثير من الأنظمة بررت القبضة الأمنية بأنها ضرورة لحماية الاستقرار. لكن الفارق الجوهري بين استخدام السلطة واستخدامها بشكل متعسف هو أن رجل الدولة يفترض أن يطبّق القانون، لا أن يتحول هو نفسه إلى قانون.
المشكلة التي تكشفها هذه المحاكمة أن الحدود بين “الحفاظ على الأمن” و”الانتقام من المجتمع” بدت وكأنها اختفت بالكامل. فحين يتعامل المسؤول الأمني مع الناس على أساس الشبهة المسبقة، أو يعتبر أي اعتراض تهديدًا وجوديًا، فإنه يدخل تدريجيًا في عقلية ترى المجتمع خصمًا لا مواطنين. عندها يصبح التعذيب إجراءً عاديًا، والإذلال أداة حكم، والعنف ردًا تلقائيًا على أي تحدٍ مهما كان محدودًا.
كثيرون يعتقدون أن ما حدث في درعا بداية الأحداث لم يكن مجرد خطأ أمني عابر، بل كان نتيجة تراكم طويل لعقلية أمنية تشكلت عبر عقود، ترى أن الخوف أكثر فاعلية من الحوار. وربما هنا تكمن المأساة الحقيقية: أن سوء التقدير الأول لم يُعالج بالحكمة، بل تضاعف بالعناد والإنكار واستخدام القوة المفرطة، حتى تحولت حادثة محلية إلى انفجار وطني شامل.
هل كان لدى عاطف نجيب استعداد مسبق للقسوة؟ أم أن المنظومة نفسها دفعت رجالها إلى تجاوز الحدود؟ هذا سؤال ستبقى سوريا تناقشه طويلًا. فبعض الشخصيات الأمنية لم تكن تتحرك كأفراد فقط، بل كنتاج ثقافة كاملة تعتبر أن هيبة الدولة تُبنى بالخوف، وأن الاعتراف بالخطأ ضعف، وأن التراجع أمام غضب الناس هزيمة سياسية.
لكن ما يجري اليوم في المحكمة يحمل دلالة مختلفة. فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض السلطة، بل بقدرتها على محاسبة من أساؤوا استخدام تلك السلطة. ولهذا تبدو محاكمة عاطف نجيب بالنسبة لكثير من السوريين لحظة رمزية فاصلة: ليس لأنها تعيد الضحايا إلى الحياة، بل لأنها تكسر فكرة قديمة ترسخت طويلًا، وهي أن رجل الأمن لا يُسأل ولا يُحاسب مهما فعل.
ومع ذلك، فإن العدالة الحقيقية لا تتحقق بالانتقام أو بتصفية الحسابات السياسية، بل بمحاكمات عادلة وشفافة تستند إلى الأدلة والقانون، لا إلى الرغبة في التشفي. لأن سوريا التي خرجت من تحت ركام الخوف تحتاج إلى بناء مفهوم جديد للدولة: دولة يكون فيها الأمن لحماية المواطن، لا لإخضاعه، ويكون فيها القانون فوق الجميع، لا مجرد أداة بيد الأقوى.