
من كييف إلى دمشق… إعادة رسم خرائط النفوذ في زمن التحولات الكبرى
في مشهد لم يكن ليدخل في حسابات أكثر المحللين جرأة قبل وقت قصير، يظهر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في دمشق. ليست زيارة بروتوكولية عابرة، بل لحظة سياسية كثيفة الدلالات، تشبه نقطة انعطاف في مسار العلاقات الدولية، حيث تتغير المواقع وتُعاد صياغة الاصطفافات.
دمشق، التي ارتبطت طويلاً بتحالف وثيق مع موسكو بقيادة فلاديمير بوتين، ترسل اليوم إشارة مختلفة تماماً. استقبال الرئيس أحمد الشرع لنظيره الأوكراني لا يمكن قراءته كخطوة عادية، بل هو تعبير عن رغبة في إعادة التموضع، ومحاولة لكسر نمط التحالف الأحادي الذي حكم سياستها الخارجية لسنوات طويلة.
هذه الخطوة تحمل في طياتها أكثر من رسالة. فهي من جهة تعكس إدراكاً سورياً بأن العالم يتغير بسرعة، وأن الاعتماد على محور واحد لم يعد كافياً لضمان الاستقرار أو تحقيق المصالح. ومن جهة أخرى، تمثل إشارة مباشرة إلى موسكو بأن دمشق لم تعد ترى نفسها مقيدة بالكامل ضمن إطار العلاقة التقليدية، بل تسعى إلى تنويع خياراتها، ولو بشكل تدريجي ومحسوب.
بالنسبة لكييف، فإن هذه الزيارة تتجاوز البعد الثنائي مع سوريا. هي خطوة رمزية بامتياز، تؤكد أن الصراع مع روسيا لم يعد محصوراً في الجغرافيا الأوكرانية، بل يمتد إلى مناطق نفوذها التقليدية. وصول زيلينسكي إلى دمشق يحمل رسالة واضحة: لا توجد ساحة مغلقة بالكامل أمام التحركات السياسية، حتى تلك التي كانت تُعتبر محسومة.
أما موسكو، فمن غير المرجح أن تتعامل مع هذه الزيارة ببرود. روسيا، التي استثمرت عسكرياً وسياسياً في سوريا منذ اندلاع الحرب السورية، ترى في هذا البلد أحد أهم مواقع نفوذها خارج حدودها. لذلك، فإن أي انفتاح سوري على خصومها سيُفسر على أنه إشارة مقلقة، إن لم يكن بداية تآكل تدريجي لنفوذها.
رد الفعل الروسي قد لا يكون مباشراً أو صاخباً، لكنه سيكون حاضراً. من المرجح أن تلجأ موسكو إلى مزيج من الأدوات: تعزيز حضورها العسكري لضمان استمرار تأثيرها، استخدام أوراقها الاقتصادية للضغط، وربما إعادة ترتيب علاقاتها مع أطراف إقليمية لضبط التوازن ومنع انزلاق دمشق بعيداً عنها.
غير أن السؤال الأهم لا يتعلق برد الفعل الروسي بقدر ما يتعلق بنوايا دمشق نفسها. هل نحن أمام مناورة تكتيكية تهدف إلى تحسين شروط التفاوض مع موسكو، أم أن هناك تحولاً أعمق في التفكير الاستراتيجي السوري؟ الفرق بين الحالتين كبير، ونتائجهما قد تعيد تشكيل ملامح المنطقة بأسرها.
في النهاية، ما جرى ليس مجرد زيارة عابرة، بل مؤشر على مرحلة جديدة تتسم بسيولة غير مسبوقة في التحالفات. وفي عالم كهذا، لم تعد الثوابت صلبة كما كانت، ولم تعد الجغرافيا وحدها تحدد مسار السياسة. دمشق، بخطوتها هذه، تفتح باباً واسعاً للتأويل، وربما لمرحلة مختلفة تماماً في تاريخ علاقاتها الدولية.