
من لغة الانتصار إلى هندسة الضغط: ماذا يريد ترامب أن يقول للعالم؟..
قراءة في آخر تصريحات الرئيس ترامب فيما يتعلق بالحرب الدائرة رحاها؟!:
في تصريحاته اليوم بدا الرئيس الأميركي دونالد ترامب وكأنه لا يقدّم موقفًا تقليديًا في إدارة صراع، بل يرسم ملامح سردية متكاملة، اقصد أنه يقول بنصرٌ مُعلن، وضغطٌ مستمر، ورسائل مزدوجة موجهة إلى الخصوم والحلفاء في آنٍ واحد، فهو حين يقول:
"لا أريد وقف إطلاق النار مع إيران" و"أعتقد أننا انتصرنا في الحرب"، لا يصف واقعًا عسكريًا بقدر ما يعلن حالة سياسية ونفسية هدفها تثبيت صورة القوة...
للأمانة:
هذه اللغة ليست جديدة على ترامب، لكنها في هذا السياق تأخذ بعدًا أكثر خطورة، فالإصرار على أن "إيران انتهت عسكريًا" يتجاوز التقييم الميداني ليصبح أداة سياسية تهدف إلى تقويض معنويات الخصم، وإقناع الداخل الأميركي بأن المواجهة تسير في الاتجاه الصحيح دون الحاجة إلى تنازلات، فنحن مع ترامب هنا وگانه يعلن انتصارا مسبقا، حتى لو كانت الوقائع على الأرض أقل حسمًا.
في المقابل، يظهر تناقض يبدو محسوبا في قوله:
"يمكننا الحوار مع إيران لكن لا أسعى لوقف الحرب"...
هنا يفتح ترامب باب التفاوض دون أن يرفع سقف الضغط، وهي استراتيجية تقوم على الجمع بين التهديد والفرصة، فالرسالة إلى طهران واضحة هنا وهي العودة إلى طاولة الحوار ممكنة، لكن ليس بشروط سهلة، بل من موقع ضعف مفترض.
أما تصريحاته حول مضيق هرمز:
"لسنا بحاجة إلى مضيق هرمز"، فهي تحمل بعدًا اقتصاديًا واستراتيجيًا في آن، كون هذا التصريح لا يعكس فقط محاولة تقليل أهمية نقطة جيوسياسية حيوية، بل يهدف إلى إرسال إشارة بأن الولايات المتحدة مستعدة لتحمل تبعات إغلاقه، أو على الأقل تدعي ذلك، في محاولة لإضعاف ورقة الضغط الإيرانية الأهم في سوق الطاقة العالمية...
وفي سياق انتقاد الحلفاء، تأتي العبارات:
"كان ينبغي على بريطانيا التحرك بشكل أسرع" و"حلف الناتو لا يملك الشجاعة لمساعدتنا" لتكشف عن نهج ترامب المعروف في إعادة تعريف العلاقة مع التحالفات، فهو لا ينظر إلى الحلفاء كضمانات ثابتة، بل كأدوات يجب أن تُثبت جدارتها...
لذا أرى أن هذا الخطاب يخدم هدفين:
- الضغط على الحلفاء لتحمل أعباء أكبر...
وفي الوقت نفسه:
-تبرير أي تحرك أحادي قد تتخذه واشنطن.
أما حديثه عن "خطة خاصة بجزيرة خرج"فيعكس نمطًا آخر من خطاب ترامب يعتمد الغموض المتعمد، فهو يلوّح بوجود خطط غير معلنة، ما يعزز عنصر الردع النفسي ويُبقي الخصم في حالة ترقب دائم، دون كشف أوراقه بالكامل.
في المحصلة، يمكن قراءة هذه التصريحات كجزء من استراتيجية تقوم على ثلاث ركائز:
- إعلان التفوق: عبر الحديث عن الانتصار وإنهاء قدرة الخصم.
- الضغط المستمر: عبر رفض وقف إطلاق النار والإبقاء على حالة التصعيد.
- إعادة تشكيل التحالفات: عبر انتقاد الحلفاء ودفعهم لتحمل مسؤوليات أكبر.
لكن الأهم من كل ذلك هو أن هذه اللغة تعكس عقلية سياسية ترى في التصعيد وسيلة تفاوض، وفي الغموض أداة ردع، إنها ليست بالضرورة وصفًا دقيقًا لما يجري على الأرض، بقدر ما هي محاولة لإعادة صياغة الواقع بما يخدم أهدافًا سياسية واستراتيجية.
يبقى السؤال الأهم: هل هذه السياسة تقود إلى تسوية أكبر، أم أنها تدفع المنطقة إلى مزيد من الانفجار؟ الإجابة ليست في الكلمات وحدها، بل في الأفعال التي ستتبعها.