
من ساحة يوسف العظمة إلى سؤال الدولة: لماذا لا تُختزل السياسة بالمشانق؟
يأتي السؤال من مكانٍ يبدو للوهلة الأولى غضباً مكثفاً، لكنه في العمق يعكس أزمة أعمق من مجرد خلاف على مجموعة أشخاص في ساحة عامة. سؤال: إذا كانوا “شبيحة وفلولاً ومجرمين”، فلماذا هم طلقاء؟ ولماذا لا يُواجهون بالعقاب في الساحة ذاتها؟ هو في حقيقته ليس سؤال عدالة فقط، بل سؤال مفهوم الدولة نفسه: هل تُدار المجتمعات بمنطق الانتقام الفوري أم بمنطق القانون؟
في أي لحظة تاريخية مضطربة، تميل الخطابات الشعبية الحادة إلى تحويل السياسة إلى تصنيفات ثنائية قاطعة: “نحن” و“هم”، “أبرياء” و“مجرمون”، “ثوار” و“شبيحة”. لكن هذه اللغة، رغم قوتها الانفعالية، تُسقط أهم عنصر في أي مجتمع يريد أن يخرج من العنف: التحقق المؤسسي من الجريمة، لا الافتراض السياسي لها.
ليس كل من يقف في ساحة هو بالضرورة امتداداً لجهاز قمع، كما ليس كل من يرفع شعاراً معارضاً بريئاً من التوظيف السياسي أو التضليل. في لحظة الانفجار الاجتماعي، تختلط الدوافع: الخوف، الغضب، الحاجة، الإكراه، والاختيار الحر. ولذلك وُجدت الدولة الحديثة — أو ما يُفترض أنها كذلك — لتفصل بين الانطباع والحكم، وبين الشبهة والإدانة.
حين يُطرح سؤال “لماذا لا يتم اعتقالهم؟”، يبدو ظاهرياً أنه دعوة لتطبيق القانون، لكنه يتحول خطيراً عندما يُفهم ضمناً كدعوة لاستبدال القضاء بالعقاب الجماعي، أو الساحة العامة بساحة تنفيذ. هنا تحديداً تنهار الفكرة التي يُفترض الدفاع عنها: فكرة العدالة نفسها.
العدالة ليست لحظة غضب، بل مسار تحقق. لا تقوم على توصيف سياسي جاهز، بل على دليل، محاكمة، حق دفاع، ومسؤولية فردية لا جماعية. فحتى في أكثر الأنظمة صرامة، لا يُدان الإنسان لأنه “يوصف” بل لأنه “يُثبت فعله”.
أما توصيف الناس في الساحات — أيّاً كانوا — بأنهم كتلة واحدة من “المجرمين” أو “الفلول”، فهو في جوهره إعادة إنتاج لمنطق العنف الذي يُفترض تجاوزه. لأن أخطر ما في الصراعات الداخلية ليس فقط من يحمل السلاح، بل من يُلغي الفرد لصالح الصفة العامة، ويحوّل المجتمع إلى مجموعات جاهزة للإدانة أو الإبادة الرمزية أو الفعلية.
ثم إن وجود هؤلاء في ساحة عامة، حتى لو اختلفنا جذرياً مع مواقفهم أو خلفياتهم، لا يُعالج بالمشانق ولا بالاستعراض العقابي، بل بمنظومة قانونية قادرة على التمييز بين الفعل والصفة، وبين الجريمة والاختلاف السياسي. فالدولة التي تنصب المشانق في الساحات لا تُثبت قوتها، بل تُعلن انهيارها إلى منطق الغلبة.
السؤال الحقيقي إذن ليس: لماذا هم أحرار في الساحة؟ بل: هل لدينا منظومة قادرة على تحديد من هو المجرم فعلاً دون أن تتحول إلى أداة انتقام سياسي؟
في غياب هذا الجواب، يتحول كل طرف إلى قاضٍ، وكل ساحة إلى محكمة، وكل خلاف إلى حكم نهائي. وهنا تبدأ الفوضى الحقيقية، حتى لو رُفعت شعارات النظام أو الثورة أو العدالة.
ساحة يوسف العظمة — كأي ساحة عامة — ليست مكاناً لإعادة إنتاج العنف، بل مرآة لمدى نضج المجتمع في إدارة اختلافه. وإذا كان فيها من نختلف معهم جذرياً، فإن معيار القوة لا يكون في “إزاحتهم بالقوة”، بل في القدرة على إخضاع الجميع، بلا استثناء، لمنطق قانون لا يعرف الانتقاء ولا الثأر.
لذلك، فإن أخطر ما في المقولة التي تُطلق عليهم صفات جاهزة، أنها تُغلق الباب أمام السؤال الأهم: كيف نخرج من دائرة الاتهام الجماعي إلى دولة لا تحتاج أصلاً إلى هذه اللغة؟
حينها فقط، تصبح الساحات مكاناً للسياسة، لا امتداداً للسجن ولا بديلاً عن القضاء.