
من ذكرياتي في زمن حافظ الأسد: حادثة فندق سميراميس 1976، اختبار الدولة بين الرهائن والسيادة...
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
تأتي حادثة احتجاز الرهائن في فندق سميراميس بدمشق في أيلول ١٩٧٦ ضمن سياق إقليمي شديد الاضطراب، حيث كانت المنطقة تعيش ذروة التشابك بين الفصائل الفلسطينية والدول العربية، بعد خروج منظمة التحرير من الأردن، ثم انتقال جزء من العمل الفدائي إلى لبنان، وما تبع ذلك من توتر مباشر مع الدولة السورية عقب تدخلها العسكري في لبنان عام ١٩٧٦، في هذا المناخ، لم تعد العمليات المسلحة العابرة للحدود أحداثًا استثنائية، بل أصبحت جزءًا من هندسة الصراع الإقليمي بين الدول والتنظيمات غير النظامية...
الحدث:
" من عملية مسلحة إلى أزمة سيادة داخل العاصمة"
في قلب دمشق، اقتحمت مجموعة مسلحة يُنسب ارتباطها إلى منظمة أيلول الأسود فندق سميراميس، وهو أحد الفنادق المعروفة في مركز المدينة، بالقرب من ساحة المرجة، تشير الروايات المتقاطعة إلى أن عدد المهاجمين كان أربعة، بينما بلغ عدد الرهائن ما يقارب تسعين شخصًا من نزلاء وموظفين...
لم تكن العملية طويلة في بدايتها، لكنها كانت كافية لإحداث تحول كامل في وظيفة المكان:
"من فضاء مدني مفتوح إلى مساحة مغلقة محكومة بالسلاح"...
ما ميّز الحادثة ليس فقط احتجاز الرهائن، بل طبيعة الهدف السياسي الكامن خلفها وهو:
الضغط من أجل إطلاق سراح معتقلين مرتبطين بالصراع "الفلسطيني – السوري"، في لحظة كانت فيها العلاقة بين دمشق وبعض الفصائل الفلسطينية قد دخلت مرحلة توتر حاد...
رد الدولة:
منطق "عدم التفاوض"
في تلك المرحلة، كان النظام السوري بقيادة حافظ الأسد قد بدأ بتثبيت معادلة أمنية جديدة تقوم على إعادة تعريف مفهوم السيادة بمعنى:
- أن لا يُسمح بتحويل المدن إلى ساحات ابتزاز سياسي عبر احتجاز المدنيين...
- ضمن هذا الإطار، تشير العديد من السرديات السياسية إلى أن القرار الذي صدر من أعلى هرم السلطة كان واضحًا وهو:
رفض التفاوض مع الخاطفين، لم يكن هذا القرار مجرد خيار أمني، بل كان يحمل بعدًا استراتيجيًا يتعلق بمنع خلق “سُنّة تفاوض” قد تتحول إلى نمط متكرر داخل سورية أو ضدها...
بعبارة أخرى:
كان الهدف ليس فقط إنهاء الأزمة، بل منع تحويلها إلى نموذج قابل للاستنساخ.
إدارة الأزمة:
كان القرار وتحديدا من الرئيس حافظ الأسد وقتها محددا بالحصار بدل التفاوض، وطبعاً قامت قوات الأمن السورية بتطويق فندق "سميراميس" سريعًا، وتم عزل المبنى بالكامل...
معلوماتي اكيدة ومن أحد قادة تنفيذ السيطرة على المبنى دون خسائر من المدنيين هذا كان أمرا مباشرا وواضحا وقد أشرف وزير الداخلية عليه وكذا ضابط من الوحدات الخاصة التي كان على رأسها وقتها العقيد ( علي حيدر )
المؤكد والدقيق أيضاً أنه:
- خلال ساعات الأزمة، لم تُفتح قنوات تفاوض علنية تُذكر...
- بل جرى التركيز على الحصار، جمع المعلومات، والاستعداد لعملية اقتحام سريعة...
"في هذا النوع من العمليات، كانت العقيدة الأمنية تميل إلى تقليل زمن الأزمة إلى الحد الأدنى، لأن طول أمد الاحتجاز يعني تضخيم القيمة التفاوضية للمسلحين، وتحويلهم إلى طرف سياسي فعّال"...
الاقتحام ونهاية العملية:
انتهت الأزمة باقتحام أمني سريع نسبيًا، وبحسب الروايات المتداولة، تم تحييد أحد المسلحين خلال المواجهة، لكن ما أنا اكيد منه أن الأربعة قتلوا لكن رابعهم كان قد قتل دون أن يرى جسده، فأعتقد ورغم وقف إطلاق النار أنه حي وقد تحصن في مكان ما، ما اطال امد العملية قليلا، لايوجد لاحقا في مكان لايخطر على بال فقد كان في مدينة المطبخ...
"تمت السيطرة على كل المسلحين، وتمت إنهاء حالة الرهائن دون امتداد زمني طويل أو تفاوض سياسي معلن"...
وكانت النتيجة المباشرة:
إنهاء الخطر داخل الفندق، إلا أن النتيجة الأهم كانت في “رسالة الدولة” التي خرجت من الحدث:
"أن العمليات من هذا النوع لن تُدار بمنطق المساومة"
وتشير بعض المصادر إلى أن التعامل مع المنفذين مع أعضاء هذه الجماعة التي ينتمي إليها من قتلوا في فندق سميراميس دون ارتقاء اي ضحية من المدنيين المحتجزين أو قوة الاقتحام، نعم كان التعامل معهم اي أعضاء التنظيم المعروفين من قبل الأجهزة الأمنية وبعد انتهاء العملية، كان قد اتخذ طابعًا صارمًا للغاية، في إطار ردع أي محاولات مستقبلية لتكرار السيناريو داخل الأراضي السورية...
الدلالة السياسية الأوسع:
لا يمكن قراءة حادثة سميراميس بمعزل عن التحول الأوسع في السياسة السورية في منتصف السبعينيات، فالدولة كانت في طور إعادة تعريف نفسها كفاعل إقليمي شديد المركزية في القرار الأمني، خاصة بعد دخولها العميق في الملف اللبناني وتزايد الاحتكاك مع الفصائل الفلسطينية المسلحة...
ضمن هذا السياق، أصبحت "أزمة الرهائن" ليست مجرد حادث أمني، بل اختبارًا لمفهوم الدولة ذاته:
- هل تُدار السيادة عبر التفاوض مع الفاعلين المسلحين؟..
- أم عبر فرض معادلة قسرية تمنع أصلًا فتح باب التفاوض؟..
لقد اختارت دمشق في هذه المرحلة الخيار الثاني، ليس فقط في سميراميس، بل كجزء من نمط أوسع في إدارة العنف السياسي...
قناعاتي:
حادثة فندق سميراميس تكشف لحظة مفصلية في تاريخ العلاقة بين الدولة السورية والفصائل المسلحة غير النظامية، لم تكن مجرد عملية احتجاز رهائن، بل كانت مواجهة بين منطقين:
- منطق يرى في الرهائن أداة تفاوض...
- ومنطق يرى في التفاوض معهم تهديدًا لبنية الدولة نفسها..
وفي هذا التوتر تحديدًا، تشكّل أحد أبرز ملامح “عقيدة الردع” في سورية خلال تلك المرحلة:
إغلاق باب التفاوض ليس تكتيكًا، بل رسالة سيادية...
وأخيراً أتساءل:
- ترى لو لم يكن حافظ الأسد علويا هل كانت ردود الأفعال على فترة حكمه كما كانت ...
- هل كان حافظ الأسد ليعتمد القبضة الأمنية الحديدية...
- هل كان حافظ الأسد فعلا مرتبطا بدوائر خارجية...
وأخيراً:
الم يكن يعلم أننا وأقصد غالبية السوريين كنا قد مررنا له ما كان قد قام به فعلا، أو الصق به اتهاما قصدا، لولا جريمته الكبرى بحق سورية والسوريين وتحديدا أسرته وربما غالبية أبناء المكون العلوي في سورية وهي جريمة ( التوريث )؟!.
يتبع .