
من يقرّر… حين تتقد العواطف وتبرد الدولة
الشارع يُنذر… لكنه لا يقرّر. صوته مرتفع، نبضه سريع، وغضبه مفهوم، لكنه في لحظة صناعة القرار لا يكفي وحده لبناء دولة، ولا لقيادة مسار أمة. فالدولة ليست مرآة لحظة انفعال، بل كيان يُفترض أن يُدار بمنطق التوازن لا بمنطق الاندفاع.
الدولة لا يجب أن تُسلّم قرارها للعاطفة، ولا لاندفاعات مراهقي السياسة الذين يُغرقون العقول في زحام الشعارات. الشعارات تُحرّك الجماهير، نعم، لكنها لا تُطعم خبزاً، ولا تُعيد بناء مؤسسات، ولا تُقيم اقتصاداً، ولا تحفظ حدوداً. الدولة تُبنى ببرودة الحساب، على صخر المصالح، حيث تُقرأ خرائط القوة كما هي، لا كما نتمنى أن تكون.
في لحظات التحول السياسي، تصبح هذه القاعدة أكثر إلحاحاً. فحين تمرّ الدول بمرحلة انتقالية، كما هو الحال في سورية ، تصبح المسافة بين الحلم والواقع هي أخطر ما يمكن أن يواجه أي سلطة. وهنا، لا يعود السؤال: ماذا نريد أن نقول للناس؟ بل: ماذا نستطيع أن نفعل فعلاً دون أن ننكسر؟
في هذا السياق، تواجه الحكومة الانتقالية في سوريا تحدياً مضاعفاً: بناء مؤسسات من جهة، وإعادة تعريف مفهوم الدولة من جهة أخرى، ضمن بيئة داخلية مثقلة بالانقسام، وخارجية شديدة التعقيد، لا تعترف إلا بمنطق القوة والتوازن والمصالح.
إن الحديث عن الدولة لا ينفصل عن قدرتها على فهم موقعها في ميزان القوى، ومعرفة ما لها وما عليها، وأين تقف في خرائط الإقليم والعالم. فالدول التي لا تكون قوية من الداخل، لا تصمد أمام الخارج، مهما رفعت من سقف خطاباتها أو توسعت في وعودها.
وفي قلب هذا المشهد، يقف الرئيس أحمد الشرع، بوصفه رأس السلطة في هذه المرحلة الانتقالية، أمام معادلة شديدة الحساسية: كيف يُمسك بتوازن الدولة بين ضغط الشارع، ومتطلبات الداخل، وإكراهات الخارج، دون أن تنزلق الدولة إلى فوضى القرار أو فوضى الشعارات.
إن القيادة في مثل هذه اللحظات ليست امتيازاً بقدر ما هي عبء ثقيل. فهي لا تُقاس بقدرة الخطاب على الإقناع فقط، بل بقدرة القرار على الصمود. فالتاريخ لا يرحم الدول التي تُدار بالعاطفة، كما لا يرحم الدول التي تنفصل تماماً عن نبض شعوبها.
بين الشارع الذي يُنذر، والدولة التي تُقرر، يبقى التحدي الحقيقي هو بناء عقل دولة لا يُستفز بسهولة، ولا ينكسر أمام الصراخ، لكنه في الوقت ذاته لا يفقد صلته بالناس الذين يُفترض أنه وُجد من أجلهم.