
مناخلية الدمشقية بين الرخصة والذاكرة: قرار إداري يصطدم بروح المكان.
في منطقة المناخلية بدمشق، تتصاعد أصوات الأهالي احتجاجاً على ما يعتبرونه تجاوزاً لطبيعة الحي السكني، نتيجة استخدام بعض المحال المرخّصة لأغراض تجارية بسيطة في أعمال صناعية محدودة داخل الأبنية، الأمر الذي يسبّب – بحسب السكان – ضجيجاً متواصلاً يؤثر على الهدوء اليومي داخل المنازل القريبة.
ويؤكد عدد من الأهالي أن تشغيل بعض المعدات داخل المحال خلال ساعات العمل بشكل متكرر بات يشكل عبئاً على الراحة العامة، في منطقة يفترض أن تبقى متوازنة بين النشاط المعيشي والسكينة السكنية، مطالبين بآلية تنظيم واضحة تراعي خصوصية الحي وتمنع تحول النشاط التجاري إلى مصدر إزعاج دائم.
في المقابل، يدافع أصحاب المحال عن أنفسهم بالقول إن ما يجري لا يتجاوز حدود “الحرفة الصغيرة”، وأن الأنشطة قائمة على أعمال بسيطة لا ترقى إلى مستوى الصناعة المنظمة، معتبرين أن الحل لا يكون بالإزالة أو التضييق المفاجئ، بل بتنظيم واقعي يراعي ظروف المعيشة والعمل في آن واحد.
ومن جهته، أوضح مدير مديرية المهن والرخص في محافظة دمشق، حسن الحمود، أن المديرية وجّهت إنذارات لأصحاب بعض المحال بضرورة الالتزام بالرخص الممنوحة لهم، والتي تقتصر على البيع والشراء دون ممارسة أي نشاط تصنيعي، مع منح مهلة 15 يوماً لإخراج المعدات الصناعية.
لكن هذا التوجّه الإداري، رغم ما يحمله من حرص على التنظيم، يفتح باباً واسعاً للنقاش حول طبيعة القرار وحدود تطبيقه في نسيج مديني شديد الحساسية مثل ، حيث لا يمكن فصل الجغرافيا عن الذاكرة، ولا القانون عن التاريخ الاجتماعي للمكان.
فالمناخلية ليست مجرد نطاق عقاري أو تقسيم تنظيمي جامد، بل جزء من شبكة الأسواق والأحياء الدمشقية القديمة التي تشكّلت عبر عقود طويلة من التداخل بين الحرفة والتجارة والحياة اليومية. هذا النمط التاريخي جعل من كثير من الأحياء الدمشقية فضاءات “مختلطة الوظيفة”، تتجاور فيها الحرفة مع السكن، في توازن هش لكنه متوارث.
ومن هنا، يبدو القرار القاضي بإخراج المعدات الصناعية خلال مهلة قصيرة أقرب إلى معالجة إدارية مباشرة لمشكلة مركّبة، دون مراعاة كافية لخصوصية النسيج العمراني والاجتماعي، وهو ما يدفع كثيرين إلى اعتباره قراراً يحتاج إلى مراجعة لا إلى تنفيذ حرفي صارم.
فالمسألة ليست فقط التزاماً برخصة مكتوبة، بل إدارة لواقع حيّ يتنفس عبر حرفة صغيرة، ويعتمد اقتصادياً على هذه الأنشطة، في وقت باتت فيه البدائل المهنية محدودة، والانتقال إلى مناطق صناعية منظمة ليس خياراً سهلاً أو سريعاً للجميع.
إن أي معالجة واقعية لهذا الملف تستوجب مقاربة أكثر توازناً: لا تُبقي الإزعاج قائماً داخل الأحياء السكنية، لكنها أيضاً لا تتجاهل التاريخ الاجتماعي والاقتصادي للمكان، ولا تدفع الحرفيين إلى خسارة مصدر رزقهم دون حلول انتقالية مدروسة.
بين “الإنذار” و”المهلة”، تبقى الحقيقة الأهم أن دمشق ليست مدينة قابلة للتعامل معها بمنطق واحد صارم، بل كنسيج حيّ تتداخل فيه الذاكرة مع الحرفة، والصوت مع الصمت، والقانون مع الحياة اليومية.