--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

منطق العدو الدائم… قراءة في سردية الأمن الإسرائيلي وإعادة إنتاج التهديد

Salah Kirata • ٢٨‏/٥‏/٢٠٢٦


39628.jpg
منطق العدو الدائم… قراءة في سردية الأمن الإسرائيلي وإعادة إنتاج التهديد

تقوم بعض القراءات النقدية للسياسة الإسرائيلية على فكرة مركزية مفادها أن بنية التفكير الأمني في تل أبيب لا تتعامل مع “العدو” كحالة طارئة، بل كعنصر شبه دائم في معادلة الوجود السياسي. ووفق هذا التصور، لا يُنظر إلى الخصوم في المنطقة—سواء كانوا دولًا أو حركات مقاومة—بوصفهم تهديدات منفصلة، بل باعتبارهم حلقات متصلة داخل بيئة صراع مستمر يعاد تشكيله باستمرار.

في هذا السياق، تُنسب إلى بعض الشخصيات الاستخباراتية السابقة، مثل الجاسوس الإسرائيلي السابق جوناثان بولارد، تصريحات تعكس رؤية تصعيدية تعتبر أن التهديدات لا تتوقف عند حدود جغرافية أو سياسية محددة، بل تتسلسل من ساحة إلى أخرى: من إيران إلى غزة ولبنان، ثم إلى دوائر أوسع قد تشمل قوى إقليمية كبرى. بغض النظر عن دقة هذه التصريحات أو سياقها، فإنها تعكس تصورًا أوسع حاضرًا في الخطاب الأمني الإسرائيلي: أن المنطقة ليست مستقرة بطبيعتها، وأن الصراع قابل للانتقال بين جبهات متعددة.

لكن الأهم من الأشخاص هو البنية الفكرية التي تسمح بمثل هذا التصور بالاستمرار.

هندسة التهديد لا وجوده فقط

في دراسات الأمن الاستراتيجي، يُشار كثيرًا إلى مفهوم “إدارة التهديد” بدلًا من “إنهائه”. فالدول التي تعيش في بيئات صراعية مزمنة تميل إلى إعادة تعريف الأخطار بشكل دوري بما يتناسب مع تغير موازين القوى. وفي الحالة الإسرائيلية، يُلاحظ أن مفهوم “الخطر الوجودي” ظل حاضرًا منذ نشأة الدولة، بدءًا من حروب 1948 و1967 و1973، وصولًا إلى التحولات اللاحقة مع صعود قوى غير دولاتية مثل حزب الله بعد 1982، ثم حماس لاحقًا في غزة، وتنامي الدور الإيراني في الإقليم.

هذا التحول التاريخي أنتج ما يشبه “توسيع دائرة العدو”، حيث لم يعد التهديد محصورًا في جيوش نظامية تقليدية، بل امتد إلى شبكات عسكرية غير دولاتية، ثم إلى تصور أوسع عن “محور تهديد” عابر للحدود.

من الردع إلى إعادة إنتاج المواجهة

تقوم العقيدة الأمنية الإسرائيلية التقليدية على مبدأ الردع: منع الخصم من اتخاذ القرار بالهجوم عبر تفوق عسكري واستخباري حاسم. لكن في التطبيق العملي، يشير عدد من الباحثين في العلاقات الدولية إلى أن الردع في بيئة غير مستقرة قد يتحول إلى دورة متكررة من التصعيد، حيث يؤدي كل “نجاح أمني” إلى خلق بيئة رد فعل جديدة، وليس بالضرورة إلى إنهاء الصراع.

من هنا، يصبح السؤال النقدي المطروح في هذا النوع من التحليل: هل تؤدي السياسات الأمنية إلى تقليص دائرة التهديد، أم إلى إعادة إنتاجها بصيغ جديدة؟ فالحروب المتكررة على غزة، والاشتباكات المتصاعدة مع حزب الله، والضربات المتبادلة في سوريا، كلها تندرج ضمن نمط لا يبدو أنه يتجه نحو نهاية واضحة، بل نحو إعادة توزيع مستمرة لجغرافيا التوتر.

بين الرواية الأمنية والرواية السياسية

في الخطاب الإسرائيلي الرسمي، تُقدَّم العمليات العسكرية غالبًا باعتبارها ردود فعل على تهديدات مباشرة. أما في الخطاب النقدي المقابل، فيُطرح سؤال مغاير: كيف تتشكل “اللحظة الأمنية” نفسها؟ أي ما الذي يسبق الانفجار العسكري ويجعل وقوعه يبدو حتميًا أو دفاعيًا؟

هذا الجدل ليس جديدًا في أدبيات الصراع، بل يمتد إلى نقاشات أوسع في نظريات الحرب الاستباقية، حيث يصبح تعريف “التهديد” نفسه جزءًا من أدوات القوة، وليس مجرد معطى خارجي.

الإقليم كمنظومة واحدة لا كساحات منفصلة

أحد الإشكالات الكبرى في قراءة الصراع في الشرق الأوسط هو تجزئة الجبهات: غزة هنا، لبنان هناك، إيران في مكان ثالث، وسوريا في سياق مختلف. بينما تميل مقاربات استراتيجية أوسع إلى النظر إلى الإقليم باعتباره شبكة مترابطة من التأثيرات المتبادلة، حيث لا يمكن فصل مسار عن آخر بشكل كامل.

هذا الترابط يجعل من أي تصعيد محلي قابلًا للتحول إلى أزمة إقليمية، والعكس صحيح، وهو ما يفسر جزئيًا حالة السيولة المستمرة في المنطقة منذ عقود.

باختصار مع السؤال المؤجل:

لا يبدو الصراع في المنطقة، في ضوء هذا التحليل، مجرد سلسلة من الحروب المنفصلة، بل بنية متكررة من التوتر وإعادة تعريف الخصوم. وبينما تختلف التفسيرات حول أسباب ذلك، فإن النتيجة واحدة: غياب استقرار نهائي طويل الأمد.

وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا من مجرد تحديد “العدو القادم”، ليصل إلى طبيعة النظام الإقليمي نفسه: هل هو نظام ينتج التهدئة كحالة دائمة، أم يعيد إنتاج الصراع كقاعدة تشغيل أساسية؟

في النهاية:

 تبقى المشكلة الحقيقية ليست في “من يبدأ الحرب”، بل في الظروف التي تجعل الحرب تبدو خيارًا متكررًا ومتاحًا دائمًا، وكأن المنطقة بأكملها تدور داخل دائرة لا تكتمل ولا تنكسر بسهولة.