
مقاومة بالشعارات… وانهيار في الوقائع
ليست المشكلة في منطقتنا ندرة الشعارات الكبرى، بل كثرتها. فكم من مرة رُفعت لافتات “المقاومة” و“الممانعة” و“التصدي للمشروع الصهيوني”، بينما كانت الوقائع على الأرض تسير في اتجاه معاكس تمامًا. وفي قلب هذه المفارقة يقف الدور الذي لعبته إيران وذراعها الإقليمي الأبرز، حزب الله في لبنان، حيث قُدِّم هذا الدور على مدى سنوات طويلة باعتباره ركيزة الدفاع عن المنطقة، بينما تكشف النتائج اليوم صورة مختلفة تمامًا.
سورية: مساندة النظام التي انتهت بتدمير الدولة
حين تدخلت إيران وحزب الله في سورية تحت شعار “مساندة الدولة السورية”، قُدّم ذلك للرأي العام باعتباره تدخلًا لإنقاذ دولة من الانهيار. لكن ما حدث فعليًا كان مختلفًا جذريًا. فقد ساهم هذا التدخل، عبر عسكرة الصراع وتدويله وتوسيع نطاقه الطائفي، في تدمير الدولة السورية نفسها، لا في إنقاذها.
بدل أن يحفظ هذا التدخل بنية الدولة ومؤسساتها، تحول الصراع إلى حرب مفتوحة أنهكت المجتمع والدولة معًا. ومع تراكم السنوات، لم تكن النتيجة استقرار النظام أو تثبيت الدولة، بل انهيارًا شاملًا للبنية السياسية والاجتماعية، انتهى بسقوط النظام ذاته وظهور قوى مسلحة جديدة في المشهد، أبرزها إلى جانب جماعات أخرى تحمل جذورًا جهادية ورؤى متطرفة.
هكذا، وتحت عنوان “المساندة”، كانت النتيجة الواقعية تفكيك الدولة السورية وإطلاق ديناميات فوضى لم يعرفها تاريخ البلاد الحديث بهذا الحجم. المفارقة أن التدخل الذي رُوّج له كدرع يحمي سورية من الإرهاب، انتهى عمليًا بفتح المجال أمام صعود قوى ذات خلفيات جهادية مسلحة.
لبنان: من شعار التحرير إلى اتفاق الإذعان
أما في لبنان، حيث يُقدَّم بوصفه رأس حربة “المقاومة”، فإن المشهد يسير في اتجاه آخر لا يقل مفارقة.
لبنان اليوم يقف على أعتاب واقع جديد: ميزان قوى مختل بعمق، واقتصاد منهار، ودولة ضعيفة. وفي ظل هذا الاختلال، يصبح توقيع اتفاق مع إسرائيل أقرب إلى “اتفاق إذعان” منه إلى تسوية متكافئة.
المفارقة الأكثر إيلامًا أن قطاعات من السلطة السياسية اللبنانية، من الحكومة إلى الرئاسة في ، إضافة إلى شريحة من الرأي العام، قد تنظر إلى مثل هذا الاتفاق باعتباره “إنجازًا وطنيًا”. هنا تتجلى المأساة كاملة: بلد قُدمت فيه عقود من الصراع تحت شعار المقاومة، لينتهي الأمر به إلى تسوية تُفرض عليه بفعل اختلال موازين القوى.
إيران وقطار التطبيع
أما على المستوى الإقليمي الأوسع، فإن المفارقة تتجاوز سورية ولبنان معًا. فالدور الإيراني الذي طالما قُدّم باعتباره حجر العثرة أمام أي تسوية مع إسرائيل، كان – بصورة غير مباشرة – أحد العوامل التي دفعت المنطقة إلى موجة التطبيع.
فالتوترات الإقليمية المتصاعدة، والخوف من النفوذ الإيراني، شكّلا بيئة سياسية دفعت دولًا عربية عدة إلى البحث عن تحالفات جديدة، وهو ما تُرجم عمليًا في سلسلة الاتفاقيات المعروفة باسم .
هذه الاتفاقيات لم تأتِ في فراغ. لقد جاءت في سياق إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، حيث أصبح احتواء إيران أولوية لدى عدد من الدول العربية، حتى لو كان الثمن إعادة صياغة العلاقة مع إسرائيل.
وهكذا، بدل أن يكون مشروع “المقاومة” حاجزًا أمام التطبيع، ساهمت ديناميات الصراع التي أطلقتها إيران في خلق البيئة السياسية التي سمحت بانطلاق قطار التطبيع نفسه.
بين الخطاب والنتائج
في المحصلة، لا تُقاس السياسات بالشعارات بل بنتائجها. وإذا كان الخطاب الرسمي لإيران وحلفائها يتحدث باستمرار عن “المقاومة”، فإن النتائج الملموسة تقول شيئًا آخر:
- دولة سورية مدمَّرة ومجتمع ممزق وصعود جماعات جهادية مسلحة.
- لبنان ضعيف يقترب من تسويات مفروضة بفعل اختلال موازين القوى.
- منطقة عربية دخلت مرحلة واسعة من التطبيع مع إسرائيل.
هذه ليست رواية دعائية مضادة، بل قراءة للوقائع كما انتهت إليها الأمور. فالتاريخ لا يحاسب الشعارات، بل يحاسب النتائج.
ولهذا، ربما آن الأوان لطرح السؤال الأكثر بساطة والأكثر إزعاجًا في الوقت نفسه:
إذا كانت هذه هي حصيلة عقود من “المقاومة”… فكيف يمكن الاستمرار في تسويقها بالاسم ذاته؟