
في تلك المدينة التي كانت تُطفئ أنوارها باكرًا خوفًا من الحرب، عاش رجل اسمه نديم، وكان يؤمن، كما يؤمن العطشى بالماء، أنه خُلِق ليحارب الشر.
لم يكن قاتلًا، ولا سفاحًا، ولا رجل سلطة.
كان مجرد إنسان عادي يحمل قلبًا متعبًا، وصوتًا جهوريًا، وإيمانًا حادًا يشبه السكين.
وكان يعتقد أن العالم ينقسم ببساطة إلى معسكرين:
نور وظلام.
حق وباطل.
ملائكة وشياطين.
وكان مطمئنًا لأنه عرف، منذ سنوات طويلة، في أي جهة يقف.
كل ليلة، كان ينام وهو يشعر أن السماء راضية عنه.
يصلي بخشوع، يتحدث عن الفضيلة بحرارة، ويكره أولئك الذين يختلفون معه كأن كراهيتهم عبادة خفية يتقرب بها إلى الله.
وكان الناس يحبون صوته حين يغضب.
لأن الغاضبين دائمًا يبدون صادقين.
ومع الوقت، صار نديم أكثر يقينًا من الأنبياء أنفسهم.
كل فكرة تخالفه أصبحت خيانة.
كل سؤال صار فتنة.
كل إنسان متردد بدا له ضعيف الإيمان.
وكان يردد دائمًا:
“أنا أعرف طريق الحق.”
لكنه لم ينتبه أن الجملة نفسها كانت بداية السقوط.
في أحد الشتاءات الثقيلة، وصلت إلى المدينة امرأة غامضة تدعى سلمى.
لم تكن تشبه أحدًا.
لا ترتدي ثياب الواعظات، ولا تتحدث مثل الفلاسفة، لكنها كانت تمتلك نظرة مربكة، كأنها ترى ما خلف الوجوه.
كانت تسأل أسئلة لا يحبها الناس.
“كيف تتأكدون أنكم على حق؟”
“ماذا لو كان الشر يرتدي لغتكم نفسها؟”
“ماذا لو كان الظلم يبدأ حين يقتنع الإنسان أنه لا يمكن أن يظلم؟”
وكان الناس يكرهونها بسرعة.
أما نديم، فشعر تجاهها بشيء أخطر من الكراهية:
الخوف.
لأن كلماتها كانت تضرب جدارًا داخله حاول سنوات طويلة أن يبنيه بإحكام.
وذات مساء، بينما كانت المدينة تختنق بأصوات الخطب والهتافات، سألته سلمى بهدوء:
“هل جرّبت يومًا أن تشك بنفسك؟”
ابتسم بسخرية.
قال بثقة المنتصرين:
“الشك طريق الهلاك.”
نظرت إليه طويلًا، ثم قالت:
“بل أحيانًا يكون طريق النجاة الوحيد.”
ضحك وغادر، لكنه لم ينتبه أن شيئًا صغيرًا انكسر داخله تلك الليلة.
ومنذ ذلك اليوم، بدأت الأسئلة تلاحقه كأشباح باردة.
كان يسمع خطبه القديمة فتبدو له ممتلئة بشيء غامض يشبه الغرور.
كان يرى الحشود تصفق للكراهية حين تُقال باسم الحقيقة.
وكان يلاحظ أن الناس، كلما تحدثوا عن الرحمة، صاروا أكثر قسوة.
وفي ليلة ممطرة، رأى مشهدًا لم يغادره أبدًا.
شاب صغير كان يُضرب في الساحة العامة لأن أفكاره مختلفة.
وكان الذين يضربونه يهتفون باسم الفضيلة.
رأى العيون المتحمسة.
الوجوه المشتعلة بالإيمان.
الأيدي المرتجفة من الحماس المقدس.
وفجأة شعر بنديم برعب حقيقي.
لأن الوجوه لم تكن تشبه وجوه المجرمين.
كانت تشبه وجهه هو.
عاد إلى بيته تلك الليلة كمن يعود من جنازة نفسه.
جلس أمام المرآة طويلًا.
لأول مرة لم يرَ رجلًا صالحًا بالكامل.
رأى إنسانًا قادرًا على التحول إلى أداة قاسية فقط لأنه صدّق أنه معصوم من الخطأ.
وبدأت المدينة تتغير في عينيه.
اكتشف أن الناس لا يقتلون دائمًا لأنهم أشرار، بل لأنهم مقتنعون أنهم الأخيار الوحيدون.
وأن الطغيان لا يبدأ من حب الشر، بل من احتكار الحقيقة.
وأن أكثر الكوارث في التاريخ ارتكبها أناس بكوا وهم يصلّون.
صار يسمع الخطب كأنها أصوات قادمة من بئر سحيقة.
كل شيء فيها يتحدث عن الله… ولا شيء فيها يشبه الرحمة.
وذات فجر، خرج نديم إلى الشوارع المبللة بالمطر، بينما كانت المدينة نائمة تحت سماء رمادية تشبه الرماد.
شعر أنه غريب لأول مرة.
لم يعد يعرف من هو.
ولا أي جهة تمثل النور فعلًا.
وكان ذلك مؤلمًا حدّ الاختناق.
فالإنسان يستطيع تحمّل الذنب أحيانًا… لكنه بالكاد يتحمل انهيار صورته عن نفسه.
وفي الأيام التالية، انعزل عن الجميع.
صار يخاف من يقينه القديم.
يخاف من الجمل الحاسمة.
من التصفيق الجماعي.
من الرايات العالية.
من أولئك الذين يتحدثون عن الحقيقة وكأنهم يملكون مفاتيح السماء.
وأصبح السؤال يطارده كلعنة:
“ماذا لو كنت أخدم الشر طوال الوقت… دون أن أعرف؟”
كان السؤال يحرقه ببطء.
لكنه، للمرة الأولى، جعله أكثر إنسانية.
فقد بدأ يرى الآخرين كبشر لا كأعداء.
وبدأ يسمع الألم داخل الأصوات المختلفة عنه.
واكتشف أن الرحمة أصعب بكثير من الكراهية، وأن التواضع أشجع من التعصب.
لكن المدينة لم تغفر له تغيّره.
فالناس يحبون المؤمن الواثق، لا الإنسان الذي يعترف بحيرته.
اتهموه بالضعف.
بالخيانة.
بالسقوط في الشك.
أما هو، فلم يعد يدافع عن نفسه.
كان يشعر أن معركته الحقيقية لم تعد معهم، بل مع ذلك الوحش الخفي داخل النفس… الوحش الذي يحب أن يشعر بالتفوق الأخلاقي، ويحوّل غروره إلى عقيدة مقدسة.
وفي ليلة باردة، وقف نديم مجددًا أمام المرآة.
كان التعب يملأ عينيه، لكن شيئًا هادئًا وُلِد داخله.
همس لنفسه بصوت مرتجف:
“ربما لن أعرف الحقيقة كاملة أبدًا… لكن يكفيني ألا أتحول، باسمها، إلى جلاد.”
ثم أطفأ الضوء.
وبقيت المرآة وحدها في الظلام، تعكس وجه رجل اكتشف متأخرًا أن أخطر الشياطين… ليست تلك التي تسكن الجحيم، بل تلك التي تستطيع أن تسكن يقين الإنسان وهو يظن نفسه من أهل النور.