
مشفى تشرين… بين الحقيقة وما يُراد لنا أن نصدّقه:
ليس من الضروري إنكار أن سورية، كغيرها من البلدان التي مرت بحروب وأزمات عميقة، شهدت في مراحل مختلفة أفعالاً تهز ضمير الإنسانية، بعضها وقع في أماكن يفترض أنها ملاذ للعلاج لا ساحة للألم. هذه حقيقة لا يمكن القفز فوقها أو تبريرها، وهي جزء من أي نقاش جاد حول العدالة والمحاسبة.
لكن، في المقابل، ثمة ما يدعو إلى التوقف والتأمل في توقيت بعض الروايات التي تُطرح، وفي الطريقة التي تُقدَّم بها. فالملاحظة الأولى اللافتة هي أن نشر مقاطع الفيديو والمواد المرتبطة بمشفى تشرين جاء متزامناً مع بدء الحديث عن محاكمات علنية في سياق ما يُسمّى بالعدالة الانتقالية. هذا التزامن، بحد ذاته، يثير تساؤلات مشروعة: هل نحن أمام كشف للحقيقة في إطار العدالة، أم أمام توظيف إعلامي موجّه يخدم سياقات سياسية واقتصادية محددة؟
أما الملاحظة الثانية، فهي أن هذا التصعيد الإعلامي يترافق مع أحاديث متزايدة عن خصخصة القطاع العام، بما فيه القطاع الصحي. وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية: هل يجري، بشكل غير مباشر، إعادة تشكيل صورة المشافي العامة في الوعي الشعبي، بحيث تتحول من مؤسسات خدمية إلى رموز للقهر والإهمال، تمهيداً لتقبل فكرة بيعها أو التخلي عنها؟
إن مشفى تشرين، بكل ما يمكن أن يُقال عنه، يبقى أحد أبرز منجزات البنية الصحية في سورية. ليس فقط بحجمه، بل بما مثّله لعقود من رمز لقدرة الدولة على تقديم خدمات طبية متقدمة ومجانية لشريحة واسعة من المواطنين. تشويه هذه الصورة بشكل مطلق، أو اختزالها في روايات أحادية الاتجاه، لا يخدم الحقيقة بقدر ما يخدم سرديات مسبقة.
لا يعني هذا الدفاع عن أي خطأ أو تبرير أي انتهاك، بل على العكس، إن كشف الحقيقة كاملة هو شرط لأي عدالة حقيقية. لكن العدالة لا تُبنى بالانتقائية، ولا بالتوقيت المشبوه، ولا بتغييب السياق العام.
أستعيد هنا حادثة شخصية تعود إلى عام 1999، حين زرت مريضاً أجرى عملية في مشفى تشرين، وكان برفقتي صديق طبيب إسباني. يومها، وبعد جولة داخل المشفى، التفت إليّ وقال، مقسماً بالله: “لا يوجد في أوروبا بمثل هذا الحجم إلا مشفى واحد في بريطانيا”. لم يكن ذلك مجاملة، بل انطباع مهني صادق عن مؤسسة طبية رآها بعينه.
اليوم، بين روايات الإدانة وروايات الدفاع، أجد نفسي في موقع لا ينكر ولا يسلّم، بل يدعو إلى الانتباه. الانتباه لما يُعرض علينا، وللتوقيت، وللغايات التي قد تختبئ خلف بعض السرديات.
قد تكون هناك حقائق مؤلمة يجب أن تُكشف، نعم. لكن في الوقت ذاته، هناك ما يُحاك، وربما يُعاد تشكيله، في وعي الناس حول ما كان يوماً أحد أعمدة الخدمات العامة في سورية.
وبين هذا وذاك، تبقى الدعوة بسيطة: لنرَ، ولنُدقّق، ولنحكم بعقولنا، لا فقط بما يُراد لنا أن نراه.