
مذكرات الرقة:
لواء الزهير بن العوام والفوضى المسماة (ثورة)...
كنتُ هناك، في قلب الرقة حين انهارت المدينة في غضون ثلاث ساعات، لم يكن سقوطها نتيجة معركة عسكرية مدروسة، بل سقوط مؤسسات الدولة تحت وطأة فوضى مفتوحة، المحافظ وأمين الفرع اختفيا في لحظات، وكل من تمكنت الكتائب من الإمساك به أُودع في معتقلات مجهولة، فيما بقيت المدينة تتلوى بين هرج ومرج وفلتان اجتماعي جعل كل شيء ممكنًا، من نهب البنوك إلى استباحة المتحف ومؤسسات الدولة...
وسط هذا الخراب، ظهر بائع الدخان (سميعو) لم يكن له أي تدريب عسكري، لكنه استشاط حميّة، ووجد في الفوضى فرصة لتأسيس (لواء) اتصل بالشباب الذين يعرفهم وقال لهم: (تعالوا، راح نضبط الأمور)، وبدأوا يختارون اسمًا للوحدة، فقد كانت المفارقة مؤلمة، فأسماء الصحابة تُسابق فيما بينها بين الكتائب، كل واحد يختار الاسم كما لو كان لعبة، بعيدًا عن أي معنى ديني أصيل. بعد نقاش طويل وارتباك فاضح، انتهى الأمر باسم لواء (الزهير بن العوام)، خطأً عن ( الزبير بن العوام)، لكنها رمزية كافية ليشعر الشباب بالشرعية...
وصلوا إلى مستودع مؤسسة الكهرباء. الهدف كان بسيطًا، سرقة كيابل وبيعها لشراء أسلحة رديئة، قنابل،وأربيجيهات، القيم الدينية والشعارات الكبرى التي رفعوها – إقامة الشريعة، الجهاد، الدفاع عن الوطن – لم تكن سوى ستار يغطي نهب الممتلكات العامة، وسرقة ما تبقى من الدولة، وخلق صورة وهمية عن الثورة...
المشهد كان مأساويًا، في كل مكان، مؤسسات الدولة مهجورة، أسلاك الكهرباء مسروقة، الآثار والتنظيمات الإدارية مدمرة، كل ما بقي هوالحيطان، كما قال الحارس بصراحة:
"ما بقي غير الحيطان، لأن الصحابة الذين سبقوكم لم يتركوا شيئًا"...
شعور بالعبث والخزي، حين ترى الدين يُستغل لتبرير نهب، والسلاح يُرفع باسم الجهاد، فيما المدينة تُنهب وحضارتها تُدمر...
هذه الفوضى، هذه الأسلمة الكاريكاتورية للعنف، لم تقف عند حدود الرقة، هي التي فتحت الطريق لصعود تنظيمات جهادية أكثر تنظيمًا وتطرفًا، التي ربطت الفوضى المحلية بمشروع أيديولوجي عالمي، بدعم ضمني من القوى الإقليمية والدولية، بما فيها الولايات المتحدة...
في النهاية:
لم يكن ما جرى ثورة، لم يكن أي مشروع لتحرير أو إصلاح، كان مجرد سقوط دولة، وانحراف المجتمع نحو عسكرة مطلقة، واستخدام الدين كشعار لتبرير نهب الدولة والعبث بالمجتمع، فمدينة اختفت فيها المؤسسات،ضاعت فيها القيم، وتحولت فيها الرموز الدينية إلى أدوات عبثية في لعبة سياسية لا يربح فيها سوى من رفع سلاحه أولاً...
وهكذا، وسط الرماد والفوضى، يظل السؤال قائماً:
هل هذه كانت ثورة، أم مجرد فوضى مسيّسة أسلَمت باسم الدين ودمرت باسم الحرية؟