
مؤشرات متزايدة على تآكل السيطرة داخل بنية السلطة في سوريا وسط تعدد الفصائل وتضارب الولاءات:
يتكشف يوماً بعد يوم أن المشهد العسكري والأمني في سوريا لم يعد محكوماً بمنطق الدولة المركزية بقدر ما هو موزّع بين قوى وفصائل متعددة، كثيرٌ منها يحمل أجنداته الخاصة، ويعمل ضمن هامش واسع من الاستقلالية عن المرجعية الرسمية المفترضة للسلطة.
خلال الفترة الماضية، برزت سلسلة من الوقائع التي تعكس هذا الخلل البنيوي في مفهوم “الضبط والسيطرة”. من قضية “أبو دجانة”، إلى حضور مقاتلين أجانب من الإيغور والتركستان ضمن تشكيلات منظمة، وصولاً إلى الحديث عن وحدات أو أطر خاصة ضمن بعض التشكيلات العسكرية، وهي معطيات—بغض النظر عن دقتها التفصيلية—تشي بوجود تفكك في مركز القرار العسكري وتعدد مراكز النفوذ داخله.
وفي سياق آخر، شهدت الساحة حوادث متكررة داخل بعض المخيمات والتجمعات ذات الطابع الأجنبي، كان أبرزها ما سُمي إعلامياً بـ“مخيم الفرنسيين”، حيث انتهت المواجهات أو التوترات في أكثر من حالة إلى تسويات ميدانية غير محسومة، بدت أقرب إلى إدارة أزمة مؤقتة منها إلى فرض سلطة دولة واضحة.
كما برزت أحداث مرتبطة بضغط مجموعات مسلحة على بعض الفروع الأمنية في إدلب، انتهت في بعض الحالات إلى إطلاق سراح موقوفين أو إعادة ترتيب ملفات أمنية تحت وقع الضغط الميداني، وهو ما عزز الانطباع بأن القرار لم يعد موحداً أو صارماً كما يُفترض في بنية دولة مكتملة السيادة.
ولا يمكن إغفال ملف “قسد” والتفاهمات القائمة معها، وما يحيط بها من اتفاقات غير شفافة أو غير مكتملة التنفيذ، والتي ما زالت تثير تساؤلات حول حدود السلطة الفعلية للدولة على الجغرافيا السورية، وكيفية إدارة مناطق نفوذ متداخلة بين أطراف محلية وإقليمية ودولية.
هذه الوقائع، مجتمعة، ترسم صورة كيان سياسي وعسكري يبدو أقرب إلى مظلة عامة تتعايش تحتها قوى متعددة، أكثر مما هو دولة ذات احتكار واضح للعنف والقرار السيادي. الأخطر في ذلك أن بعض هذه القوى، سواء كانت محلية أو أجنبية، تمتلك قدرة فعلية على فرض شروطها في مناطق وجودها، أو على الأقل تعطيل قرارات المركز وإعادة تشكيلها.
النتيجة المباشرة لهذا الواقع هي أن مفهوم “السيادة” بات موضع اختبار دائم، وأن السلطة—كما يبدو من مجمل المعطيات—تتحرك في مساحة تفاوض مستمرة مع مكونات مسلحة مختلفة الولاءات، بعضها متقاطع المصالح، وبعضها الآخر متناقض جذرياً.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في تعدد هذه القوى، بل في هشاشة البنية الجامعة التي يُفترض أنها تضبطها. فحين تصبح العلاقة بين المركز وهذه التشكيلات قائمة على التفاهمات المؤقتة، أو موازين القوة الميدانية، فإن الدولة تتحول عملياً إلى إدارة للأمر الواقع، لا إلى سلطة سيادية مكتملة.
وبين هذا الواقع المركّب، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل ما يجري هو مرحلة انتقالية نحو إعادة بناء دولة موحدة؟ أم أنه ترسيخ تدريجي لكيان مجزأ تتقاسم فيه القوى المحلية والخارجية النفوذ على حساب مفهوم الدولة ذاته؟
ما هو واضح حتى الآن أن الاستقرار، إن تحقق، يظل هشاً ومعلقاً على توازنات غير ثابتة، وأن احتمال الانزلاق—في حال انهيار هذه التوازنات—يبقى قائماً، ما لم يُعاد تعريف السلطة نفسها على أسس سيادية واضحة لا تقبل التعدد المسلح داخل بنيتها.