
موكب أسود… وظلّ نظام لم يرحل :
في مدينةٍ أنهكتها الحرب والفقر والانتظار، خرج وزير الأوقاف السوري اليوم في موكبٍ أقرب إلى استعراض قوة منه إلى زيارة رسمية، عدد مبالغ به من السيارات السوداء، متعددة الماركات، من الفئات مرتفعة الثمن، تتحرك في قلب حمص كأنها كتيبة مدرعة لا قافلة مدنية. زجاج داكن، صفارات، ومسلحون بلباس أقرب إلى مشهد ميليشيوي منه إلى مؤسسة دولة، في صورة تقول كل شيء دون أن تنطق، فقد سقط نظام… وصعد نظام، لكن الطقوس ذاتها ما زالت تمشي بين الناس مرفوعة الرأس...
- أي رسالة أراد هذا الموكب أن يبعثها؟..
- هل نحن أمام وزير أوقاف أم هدف عسكري عالي القيمة؟..
- هل المدينة التي بالكاد تتدبر خبزها اليومي مطالبة بأن تفتح طرقاتها لاستعراضٍ أسود يُذكّرها بأن السلطة – أي سلطة – تحب أن تُرى من علٍ؟..
المفارقة اخوتي موجعة، رجل دين يفترض أن يكون عنوانه التواضع، يسير في موكب يوحي بأن الخطر يطارده في كل زاوية، وكأن المنصب صار مرادفاً للحصار، وكأن المسؤول لا يكتمل إلا إذا أحاط نفسه بسياجٍ من السلاح والسيارات الفارهة، ففي بلدٍ يئنّ تحت ضغط الاقتصاد، يصبح هذا المشهد استفزازاً بصرياً قبل أن يكون خطأً بروتوكولياً، فالناس لا تقيس النوايا، بل ترى الصورة: بذخٌ في زمن العوز، وخوفٌ في زمن يُفترض أنه زمن ( استقرار )
ليست المشكلة في الحماية بحد ذاتها؛ فالدولة مسؤولة عن أمن مسؤوليها، لكن الفرق شاسع بين الحماية الضرورية والاستعراض الفجّ. بين سيارة مرافقة وسيارات تُغلق نصف المدينة، بين عناصر أمن نظاميين بلباس مؤسساتي واضح، ومظاهر تسليح توحي بأننا أمام مشهد حرب لا زيارة عمل...
الأخطر من كل ذلك هو الذهنية التي تنتج هذا المشهد، ذهنية تقول إن المنصب حصن، وإن الهيبة تُصنع بالمحركات الداكنة والزجاج المعتم. ذهنية لم تتغير رغم تغير العناوين، هنا بيت القصيد، فليست المشكلة في الأشخاص، بل في الثقافة السياسية التي لم تغادر المسرح...
وهنا أستعيد الآن، مشهداً من زمنٍ آخر، كنت حاضر فيه بل وفاعل :
في المؤتمر القطري لحزب البعث العربي الاشتراكي، انتقد يومها بعض الرفاق وكنت منهم أنتقدوا ظاهرة ( الكولبات ) المخصصة للحراسات، ومواكب سيارات المرافقة التي صارت تكبر ككرة ثلج، قلتُ يومها – بلا مواربة – إن عدد عناصر المرافقة والحماية حول بعض الرفاق يوازي فرقةً ونصف من المشاة. نعم، فرقة ونصف، وكأننا في حالة حرب دائمة مع شعبنا...
كان الرأي الرفيع من قمة الهرم وقتها وبلهجة حازمة وبمفردات قلسية، واضحاً وصادماً للبعض حيث قال :
ـ من يخشى على حياته إلى هذا الحد، لا يلزمنا!..
- ومن لم يكن مرتكباً ما يخشاه، فلماذا يخاف الناس منه؟ .
لم يكن الاعتراض على الأمن، بل على الفكرة التي تختبئ خلفه اقصد أن المسؤول يعيش في قلعة، وأن الناس خطرٌ محتمل. كنت أرى – وما زلت – أن المسؤول الذي يحتاج كل هذا الجدار من الحديد والسلاح، إنما يعترف ضمناً بوجود فجوة بينه وبين المجتمع. الفجوة لا تُردم بمزيد من السيارات، بل بمزيد من الثقة. .
اليوم، وأنا أرى الموكب الأسود في حمص، يتكرر السؤال نفسه :
- هل تغيّرت الدولة حقاً؟..
- أم تغيّرت الأسماء وبقيت الطقوس؟..
الناس لا تريد بطولات زائفة، ولا مشاهد استعراضية، بل تريد مسؤولاً يمشي بينهم بلا خوف، لأن العلاقة بينه وبينهم قائمة على الشرعية لا على الحراسة، تريد صورة مختلفة تقول إن زمن ( المواكب الثقيلة ) انتهى، وإن الدولة لم تعد تخاف ظلّها، لذا فإن المشكلة ليست في سيارة سوداء، بل في العقل الذي يصرّ على أن تكون كل السيارات سوداء، ليست في عنصر مسلح، بل في الإيمان بأن السلاح هو اللغة الوحيدة للهيبة...
- سقط نظام، نعم...
- لكن إن بقيت الممارسات ذاتها، فإن السقوط يصبح شكلياً، وتبقى الروح القديمة تتنقل في مواكب جديدة...
الدولة لا تُبنى بالمواكب، بل بثقة الناس، والثقة لا تسير خلف زجاجٍ داكن.