
قاعدة فيكتوريا تحت النار رسائل الطائرات المسيّرة في سماء بغداد:
لم يكن استهداف داخل مجرد حادث أمني عابر يمكن إدراجه في خانة الأخبار اليومية. فالهجمات التي تطال القواعد العسكرية الأجنبية في العراق لم تعد أحداثاً معزولة، بل أصبحت جزءاً من معادلة سياسية وأمنية معقدة تحكم المشهد العراقي منذ سنوات.
فالقاعدة الواقعة في محيط المطار تمثل واحدة من أهم نقاط الوجود العسكري الأمريكي في العراق، حيث تُستخدم كموقع لوجستي وعسكري للقوات التابعة للتحالف الدولي. ولذلك فإن استهدافها بطائرات مسيّرة أو صواريخ قصيرة المدى يحمل رسالة واضحة تتجاوز حدود الضربة العسكرية المحدودة: الوجود الأمريكي ما زال هدفاً مباشراً للفصائل المسلحة التي ترى فيه امتداداً لنفوذ خارجي داخل العراق.
لكن طبيعة هذه الهجمات تكشف في الوقت ذاته عن نمط مختلف من الصراع. فغالباً ما تكون الضربات محدودة التأثير من حيث الخسائر، الأمر الذي يشير إلى أنها ليست محاولة لفتح مواجهة عسكرية واسعة، بل جزء من حرب استنزاف منخفضة الشدة. إنها عمليات “إزعاج عسكري” مدروسة، تهدف إلى إبقاء القوات الأمريكية في حالة استنفار دائم، وإظهار القدرة على اختراق الإجراءات الأمنية، وإرسال رسائل سياسية أكثر مما تهدف إلى تحقيق مكاسب عسكرية مباشرة.
وفي خلفية هذا المشهد يبرز العامل الإقليمي بوضوح. فالعراق منذ سنوات ليس مجرد ساحة داخلية للصراع السياسي، بل أصبح أيضاً إحدى ساحات التنافس غير المباشر بين الولايات المتحدة وإيران. وتجد بعض الفصائل المسلحة المرتبطة ببنية نفسها في موقع متقدم ضمن هذا الصراع، حيث تتحول الهجمات على القواعد الأمريكية إلى أداة ضغط ضمن لعبة توازنات إقليمية أكبر من الحدود العراقية.
غير أن هذه المعادلة تضع الحكومة في في موقف بالغ الحساسية. فهي من جهة مطالبة بحماية البعثات والقوات الأجنبية الموجودة على أراضيها، ومن جهة أخرى تواجه واقعاً سياسياً وأمنياً معقداً يتمثل في نفوذ الفصائل المسلحة داخل البنية السياسية والعسكرية للبلاد. ولهذا غالباً ما تكتفي السلطات بإجراءات أمنية وتحقيقات محدودة، في محاولة لتجنب الانزلاق إلى مواجهة داخلية مفتوحة.
في المحصلة، فإن ما جرى في قاعدة فيكتوريا لا يمكن قراءته باعتباره مجرد هجوم بطائرة مسيّرة. إنه فصل جديد من صراع منخفض الوتيرة لكنه مستمر، صراع تُستخدم فيه الطائرات الصغيرة والصواريخ البدائية كأدوات سياسية بقدر ما هي أدوات عسكرية. وبين الرسائل المتبادلة في سماء بغداد، يبقى العراق ساحة تتقاطع فيها الحسابات المحلية مع التوازنات الإقليمية، فيما يستمر البحث عن معادلة مستقرة لم تتبلور بعد.