
قبل أن يقال لاريجاني:
ازدواجية النخب… حين تُلعن الأيدي بينما تُفتح الأبواب لأبنائها
في السياسة كما في الحياة، ثمة أمور تصعب على العقل البشري استيعابها، وأبرزها التناقض بين الكلام والفعل عند النخب. لا شيء يكشف هذا التناقض أكثر من سلوك بعض المسؤولين الإيرانيين، الذين يبنون خطابهم السياسي على العداء لأميركا وشيطنَة كل ما هو غربي، بينما يرسلون أبناءهم بكل هدوء لدراسة الطب أو العلوم في قلب الولايات المتحدة، البلد ذاته الذي يصفونه بالعدو والمحتل.
هذه ليست مجرد مفارقة، بل عرض حي للازدواجية. على المنابر يُعاد صباح مساء شعار "الموت لأمريكا"، لكن في الواقع، تُفتح الأبواب لهم ولعائلاتهم في نفس البلاد التي يهاجمونها لفظياً. وفي طهران، استخدمت هذه التصرفات ضد بعض السياسيين كأداة لتقويض موقعهم أو منع ترشحهم للانتخابات، لكن جوهر المشكلة أعمق: هي أن الخطاب السياسي يمكن أن يتحول إلى تجارة عاطفية ومصلحية، حيث يُباع العداء ويُشترى المستقبل في آن واحد.
الاستثناء ليس إيران وحدها. في العديد من البلدان العربية، تجد الخطباء والسياسيين الذين يقضون يومهم في نقد الولايات المتحدة وفرنسا أو انتقاد المؤسسات الغربية، بينما يبحثون ليل نهار عن مقاعد دراسية لأبنائهم في تلك الدول أو عن علاج متقدم في مستشافيها. يصبح العداء شعاراً رخيصاً، والمصلحة الشخصية هي المقياس الحقيقي للسلوك.
الدرس واضح وقاسٍ: ما يُلعن في الخطاب ليس بالضرورة نجساً، وما يُستقبل في المطبخ الخاص أو في برامج الدراسة والعلاج ليس بالضرورة مباحاً للجميع. الازدواجية هنا ليست مجرد أخطاء فردية، بل انعكاس لمنهج سياسي يبيع الشعارات ويشتري الواقع. وفي هذه اللعبة، يصبح المواطن العادي ضحية التصورات المزيفة، بينما النخب تستفيد بلا خجل من كل ما تنهى عنه علناً.
في النهاية، تبقى الحقيقة واحدة: كل شعارات الكراهية تتهاوى أمام مصلحة الفرد وأمن مستقبل أبنائه، ومعها يسقط أي معنى للخطاب الوطني أو الأخلاقي، تاركة خلفها مسرحية مفتوحة من النفاق السياسي.