--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

قراءة في حادث خطف الشابة ( بتول علي سليمان ) التي أرى فيها ( وردةٌ خُطِفَت من ضوء الحياة).

Salah Kirata • ٩‏/٥‏/٢٠٢٦

32271.jpg

قراءة في حادث خطف الشابة ( بتول علي سليمان ) التي أرى فيها ( وردةٌ خُطِفَت من ضوء الحياة ) :
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

حين تأملتُ صور الشابة بتول علي سليمان، الطالبة في جامعة تشرين، لم أرَ أمامي فتاةً مهزومة أو منهكة أو مطاردةً بأشباح اليأس. رأيتُ وردةً جوريةً متفتحة، ابنةَ بيتٍ يشبه بيوت السوريين البسطاء، ملامحها مطمئنة، وعيناها مأهولتان بحب الحياة، تلك الحياة التي كانت تبدو مقبلةً عليها بثقة وفرح واندفاع الشباب الطبيعي نحو الغد...

لم يكن في قسمات وجهها ما يوحي بانكسارٍ داخلي، ولا في ابتسامتها ما يدل على فتاةٍ تخطط للهرب من أسرتها أو الانقلاب على بيئتها أو مغادرة عالمها نحو مصيرٍ غامض، ومن يعرف هذا الجيل جيداً وانا أزعم الاختصاص والتعاطي والتعامل مع الجيل الشاب، ولي أن أقرأ تفاصيله النفسية والاجتماعية والسلوكية، لذا فأنا ادرك أن الإنسان يحمل أزماته في ملامحه قبل أن يحمل حقيبته ويرحل، فالقلق يترك ظله على العينين، والخوف يتسلل إلى حركة الجسد، والاختناق النفسي يفضح نفسه في أبسط التعابير...

32272.jpg

أما بتول، فقد بدت ــ في كل ما ظهر من صور ومقاطع ــ فتاةً طبيعية، متصالحة مع ذاتها وأسرتها، بعيدة كل البعد عن صورة “الهاربة” التي جرى الترويج لها على عجل.

ولستُ هنا لأتكلم بعاطفةٍ مجردة، بل نتيجة معرفةٍ طويلة بطبيعة الأجيال وتحولات المجتمعات، وبسنواتٍ من القراءة في علم النفس الاجتماعي ولغة الجسد والسلوك الإنساني، ولذلك أقول بثقة: 
( يستحيل أن تكون هذه الفتاة قد غادرت بيت أهلها بإرادةٍ حرة كما يراد للناس أن يصدقوا)...

ثم إن السؤال الأخطر لا يتعلق فقط بواقعة الاختفاء، بل بالرواية نفسها التي أُريد فرضها على الرأي العام:
-  فأيُّ خطابٍ هذا الذي يُقنع فتاةً في عمر الزهر بأنها “تهاجر إلى الله”؟..
-  وأيُّ إلهٍ ذاك الذي يطلب من عباده أن يتركوا أهاليهم وبيوتهم وحياتهم تحت جنح الغموض والخوف؟..
- ومنذ متى صار الإيمان طريقاً للقطيعة مع الأهل؟..
-  ومتى تحولت الهداية إلى عملية اقتلاعٍ نفسي واجتماعي من الجذور؟
32270.jpg


إننا، ببساطة، أمام جريمة خطف مكتملة الأركان، نعم، قد يكون جزء الإخفاء قد انتهى بعد ظهور الفتاة ورؤية والديها لها، لكن جريمة الخطف نفسها ما تزال قائمة، وما تزال مسؤوليتها القانونية والأخلاقية معلقة في ذمة وزارتي العدل والداخلية في الحكومة الانتقالية، لأن الدولة التي تعجز عن حماية فتياتها من الاختفاء القسري أو الخطف المنظم، تفتح الباب واسعاً أمام انهيار الثقة العامة والأمان الاجتماعي...

أما المشهد الأكثر إيلاماً، فكان ظهور والدها في الشريط المصور، وهو يحاول أن يبدو مقتنعاً بما حدث، مؤيداً لما قيل إن ابنته اختارته بإرادتها، لكن الحقيقة لا تسكن الكلمات فقط؛ الحقيقة كثيراً ما تفضحها الوجوه قبل العبارات...

فلغة جسد الأب كانت تصرخ بما لم يستطع قوله، ارتباكه، حركات يديه، انكسار نبرته، محاولته انتقاء الكلمات بحذر، وتعابير وجهه التي بدت أقرب إلى الاستغاثة الصامتة منها إلى الطمأنينة… كل ذلك كان يقول شيئاً واحداً:
          ( هذا الرجل لا يتحدث بحرية)...

كان واضحاً أنه:
- مُجبَر على قول ما قيل له أن يقوله...
- خائف على حياة ابنته، حريص على سلامتها أكثر من حرصه على تبرئة أحد...
- يخشى أن يؤدي أي اعتراض أو رفض أو اتهام مباشر إلى عقابٍ قد يطال الأسرة كلها...

وفي المجتمعات الخائفة، لا يحتاج الناس دائماً إلى تهديدٍ مباشر؛ يكفي أن يشعر الأب أن كلمةً واحدة قد تعني خسارة ابنته إلى الأبد، حتى يتحول الصمت إلى غريزة بقاء..

إن قضية بتول ليست حادثة فردية عابرة، بل اختبار أخلاقي وقانوني وإنساني، اختبار لضمير المجتمع، ولمعنى الدولة، وللقدرة على حماية الفتيات من شبكات الاستغلال العقائدي أو الابتزاز أو الخطف المغلف بالشعارات الدينية...
وحين تصبح الحقيقة مخيفة إلى هذا الحد، يصبح الدفاع عنها واجباً، لا مجرد رأي.