--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

قراءة في حركة ٢٣ شباط ١٩٦٦ في سورية

Salah Kirata • ٢٥‏/٢‏/٢٠٢٦

552.jpg

قراءة في حركة ٢٣ شباط ١٩٦٦ في سورية:

لم أكن أظن أن السياسة قادرة على أن تتقمّص هيئة القدر بهذه القسوة. كنتُ شابًا يومها، أرى الحزب كبيتٍ واسعٍ يحتمي فيه المختلفون، ثم بدأتُ أكتشف أن البيت نفسه يتصدّع من الداخل، وأن الشقوق الصغيرة التي تجاهلناها تحوّلت إلى هوّة تبتلع كل ما حولها.

منذ البدايات، كان الخلاف كامناً كجمرة تحت الرماد: أي طريق نسلك؟ طريق التغيير الجذري الذي يغامر بالاصطدام مع العالم، أم طريق الإصلاح المتدرّج الذي يهادن الواقع؟ لم يكن السؤال نظريًا؛ كان يطلّ علينا في كل منعطف: في الموقف من العسكر حين دخلوا السياسة من الباب الخلفي، في لحظات الوحدة والانفصال، وفي كل مؤتمر نغادره ونحن نحمل قرارات جميلة لا تجد طريقها إلى الحياة. كنتُ أرى الوجوه ذاتها تتغيّر ملامحها مع تغيّر الموازين، وكأن المبادئ أثواب تُبدّل عند الحاجة.

حين رجحت الكفّة يومًا لمصلحة الخط الأكثر جذرية، بدا لي أن الهواء صار أخفّ. تشكّلت حكومة جديدة، وتراجع نفوذ أسماء اعتادت الإمساك بكل الخيوط. غير أن الهدوء كان خدعة قصيرة العمر. الذين خسروا المعركة داخل القاعات لم يتخلّوا عن طموحهم؛ خرجوا يبحثون عن سندٍ خارج الجدران الحزبية، يجمعون حولهم ضباطًا وموظفين ورجال أجهزة، ويعيدون خلط الأوراق بتحالفات مؤقتة لا يجمعها سوى الرغبة في استعادة السيطرة. رأيتُ كيف يتجاور المتخاصمون حين يلوّح لهم الهدف ذاته، وكيف تتحوّل الخصومات القديمة إلى مصالح مؤجَّلة.

كان في المشهد رجلٌ يميل إلى الحكم الفردي، يوسّع ظلّه كلما شعر أن الضوء يضعف حوله. ورجلٌ آخر عاد من المنفى وهو يحمل مشروعًا موازياً، لا يثق بأحد، ويحسب أن بإمكانه بناء سلطة جديدة فوق أنقاض الجميع. وبينهما قيادات حزبية ترفع شعار النظام فيما تتقنه كحيلة، وتستعير من القانون ما يخدمها ثم ترميه جانبًا حين يضيق عليها. في تلك الأيام، لم تعد الدولة مركزًا واحدًا، بل مجموعة غرف مغلقة، لكل غرفة همسها وحساباتها.

أتذكّر الليالي التي صارت فيها الاجتماعات أقرب إلى غرف طوارئ. بيانات تُكتب على عجل، وقرارات تُمرَّر باسم التهدئة وهي في جوهرها نقلٌ للسلطة من أصحابها إلى من لا يملك تفويضًا. فجأة، صار الممكن أن تُمحى هيئات منتخبة بقرار فوقي، وأن تُعاد هندسة الحزب والدولة كما لو كانا قطعة طين بين أصابع لاعب ماهر. رأيتُ كيف تُستخدم لغة الشرعية لتبرير كسرها، وكيف تُستدعى الجماهير في الخطب ثم يُخشى حضورها حين تطالب بحقها في السؤال.

لم يكن الصراع مجرّد خلاف تنظيمي؛ كان خوفًا دفينًا من تعميق التحوّل الاجتماعي، وتردّدًا أمام مواجهة قوى الداخل والخارج. بعضهم كان يريد ثورة بلا ثمن، وبعضهم كان مستعدًا لدفع الثمن كله شرط ألا يتنازل عن الطريق. وبين هؤلاء وهؤلاء، كان الحزب يتآكل، والكوادر تُلاحَق، والمؤسسات تُفرَّغ من معناها، كأننا نعيد تمثيل مأساة عرفناها من قبل في مكان آخر، ولم نتعلّم منها بما يكفي.

حين أُغلقت كل الأبواب أمام الحلول الداخلية، شعرتُ بأن الكلام صار رفاهية. كتبنا مذكرات، طالبنا بدورات استثنائية، حاولنا أن نعيد النزاع إلى ساحته الطبيعية: النقاش والتنظيم والاحتكام للقواعد. لكن الرد كان صمتًا ثقيلًا تارة، وتهديدًا صريحًا تارة أخرى. عندها أدركتُ أن من صادروا الشرعية لن يعيدوها طوعًا، وأن حماية الجماعة قد تستدعي كسر قبضة الأقلية التي اختطفت البيت.

لم تكن الخطوة التالية خيارًا رومانسيًا. كانت قاسية، اضطرارية، محمّلة بالخوف واليقين في آن واحد. كأنك تقف على حافة نهر في فيضان: إما أن تبقى وتغرق مع الضفة المتداعية، أو تقفز إلى الماء متحمّلًا برده والتياره على أمل بلوغ الضفة الأخرى. في تلك اللحظة، لم نفكّر في البطولة بقدر ما فكّرنا في إنقاذ ما تبقّى من معنى.

وعندما دوّى الفجر المختلف، لم أسمعه كصوت انقلاب بقدر ما سمعته كصوت صراع طويل وصل إلى ذروته. لم يكن الأمر احتفالًا بالعنف، بل اعترافًا بأن العنف كان قد بدأ منذ لحظة اغتيال القواعد والأنظمة باسم النظام. بعدها فقط فهمتُ درسًا مريرًا: أن الأزمة حين تُعرَض على الناس وتُناقَش في الضوء، تُكبح نزعات الاختطاف؛ وحين تُدار في الظلال، يكبر الوحش.

هكذا، خرجنا من تلك الأيام مثقلين بالانتصار والندم معًا. انتصار لأن خطًا كان مهددًا بالطمس استعاد أنفاسه، وندم لأن الطريق إلى ذلك لم يكن نظيفًا كما حلمنا. ومع ذلك، بقي في داخلي يقين صغير: أن الشرعية لا تُستعار من فوق، بل تُصان من تحت، من القواعد التي تعرف متى تقول نعم، ومتى—حين يُغلَق عليها الكلام—تضطر أن تبحث عن لغة أخرى.