
قراءة في سلوك إيران بعد الهدنة: إعادة تموضع تحت سقف التوتر لا تحت سقف الحقائق...
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية
أنا لست مع من يقرأوا ان ما يجري في الإقليم على أنه مجرد “هدنة” ظرفية غايتها أعادت خلط الأوراق، بل أنا مع من يقرأوا بهذه الفترة التي تخللتها عدة مدد تجاوزها مصدرها ترامب وكلها كانت ترتدي وتزيد وتنذر ايران، أما إيران وگانها لا تسمع أو غير معنية بالكلام وكأنه غير موجه لها ...
أراهن :
أن إيران وجدت بالهدنة فرصة للاستفادة لأقصى حد من الوقت واستثمار كل ثانية فيه والتعامل معه كفرصة لإعادة بناء ما استفذ أو دمر من قوة، والغاية هي استعداد لجولة جديدة من الصراع...
وفي هذا الإطار، ابدي ما يمكن أن يقرأ على انه فرضيات قاسية ومباشرة حول ما فعلته إيران خلال فترة التهدئة، وحول ما تنوي فعله لاحقاً:
أولاً:
من المنطقي عسكرياً أن أي طرف يدخل هدنة غير مستقرة سيستغلها لإعادة ترتيب وضعه الداخلي وهذا ما فعلته إيران فعلا وهو صيانة المنظومات المتضررة، نع ترميم قدرات، وكذا إعادة توزيع ذخائر، وإصلاح ما تضرر من شبكات القيادة والسيطرة، وهذا سلوك تقليدي في الحروب الحديثة، ولا يحتاج إلى كثير جدل...
- لا استبعد حصول إيران على مقاتلات متطورة من الصين أو منظومات دفاع جوي جديدة، صحيح أنه يبقى في نطاق الاحتمال غير المثبت، كون الصين لاعب اقتصادي وعسكري مهم، معتدا بأن طبيعة الصفقات العسكرية بهذا المستوى ليست أمراً يمكن البناء عليه كحقيقة دون دلائل معلنة أو تسريبات موثوقة، إلا أني أجنحة إلى أن هناك تفاهم ضمني بين ( ايران - الصين - روسيا ) على هزيمة امريكا في مواجهتها مع إيران بمعنى أن ترفع الحصار عن موانئها دون أن تلبي ايران أي من شروط امريكا، طبعا أن أعلم أن خوضي في هذا السياق يبقى أقرب إلى التقدير لأني لا املك المعلومة...
طريقة ادارة ايران للتفاوض عبر ديبلوماسية ( الرسائل) والصلف والصلابة الذي تبديه غير آبهة بأمريكا يجعلني أتساءل عن امتلاك إيران لرؤوس نووية جاهزة، رغم أنه تساؤل بالغ الخطورة ولا يوجد عليه أي تأكيد علني موثوق من وكالات الرقابة الدولية أو حتى من أجهزة استخبارات غربية أو إقليمية بشكل معلن، لا سيما أن البرنامج النووي الإيراني المعلن هو محل نزاع سياسي وتفاوضي، لكنه لم يُعلن يوماً كبرنامج إنتاج أسلحة نووية مكتملة. لذلك، إدخاله كحقيقة في التحليل يخرج النقاش من دائرة السياسة إلى دائرة الافتراض غير المثبت، لكن لا استبعد أن لديها شيء من هذا أو هي على وشك امتلاكه تصنيعا أو نقلا وربما من كوريا الشمالية...
في المقابل، ما يبدو أكثر وضوحاً هو أن الولايات المتحدة وحلفاءها يتعاملون مع إيران بوصفها قوة إقليمية قادرة على إرباك التوازنات، حتى لو اختلفت التقديرات حول مدى قدرتها الفعلية على التصعيد الشامل، هذا النوع من الإدراك هو ما يضع واشنطن في حالة إدارة مستمرة للأزمة وليس حسمها...
لذا :
نجد أن إيران “تحرشت” بالإمارات ليومين على التوالي، وستطور تحرشها خلال الساعات لا الايام القادمة وتستهدف دول خليجية استفزازات لأمريكا وضغطا عليها من دول الخليج بهدف رفع الحصار اولا ومن ثم التفاوض وهذه رغبة أو بشكل أدق شروط ايران، وانا هنا لا اقدم قراءة ممكنة من زاوية التصعيد السياسي والإعلامي أو عبر وكلاء في ساحات متعددة فقط، بقدر ما اقول انه يمكن الى تحويل ما تقوم به ايران إلى مسار حتمي يقود إلى حرب مباشرة، رغم أن الإقليم يعمل اليوم بمنطق الضغط المتبادل، لا بمنطق قرار الحرب الشاملة المفتوحة، لأن كلفة ذلك معروفة لكل الأطراف...
عموماً:
وفي ما يتعلق بتوقع أن تشهد الساعات القادمة تصعيداً واسعاً ضد دول خليجية بهدف الضغط على الولايات المتحدة، فهذا احتمال أطرحه ضمن منطق مايسمى بـ “إدارة الرسائل” أكثر مما اطرحه كخطة مؤكدة، لأني لم تنقض يدي بعد من فكرة أن الكثير من التوتر في المنطقة يُستخدم كأداة تفاوض، لكن تحويل ذلك إلى حتمية زمنية محددة لا انظر إليه على انه مقامرة تحليلية لا تستند إلى معطيات مؤكدة...
الخلاصة:
أن المنطقة تتحرك بين ثلاث طبقات متداخلة:
- إعادة تموضع عسكري...
- حرب رسائل سياسية...
- واحتمالات تصعيد محسوبة بدقة من جميع الأطراف واقلها على الاطلاق ايران، لكن بين الاحتمال والتحقق مسافة كبيرة، وأخطر ما في التحليل السياسي في لحظات التوتر هو تحويل الفرضيات إلى يقين، ثم بناء سيناريوهات قطعية عليها.
الصراع مفتوح نعم، وصحيح انه ليس بالشكل الحتمي الذي يُرسم أحياناً في الخطاب التحليلي الحاد، إلا أنها وجهة نظر استشرف من خلالها المشهد.