
قولوا الحقيقة الآن… قبل أن نصنع الطاغية بأيدينا ثم نبكي عليه:
لم تكن المشكلة يومًا في الحاكم وحده…
بل في اللحظة التي يقرر فيها الناس، بوعي أو بدون وعي، أن يتخلّوا عن عقولهم، ويستبدلوها بعاطفة جياشة، ثم يسمّوا ذلك “وطنية”، ويسمّوا الصمت “حكمة”، ويسمّوا التقديس “احترامًا”...
أنا لا أكتب اليوم لأزايد على أحد، ولا لأدّعي امتلاك الحقيقة، بل أكتب لأنني أخاف، أخاف على وطنٍ أعرف جيدًا كيف سقط غيره، وأعرف أن الطريق إلى السقوط لا يكون دائمًا واضحًا، بل يبدأ غالبًا بخطوات صغيرة، بريئة الشكل، خطيرة الجوهر...
ما نراه اليوم في المشهد السوري ليس تفصيلًا عابرًا، وليس مجرد حالة حماس شعبي يمكن تجاهلها أو التقليل من شأنها…
بل هو تشكّل تدريجي لظاهرة خطيرة جدًا:
ظاهرة تقوم على التهييج بدل التفكير، وعلى الاصطفاف بدل الحوار، وعلى تحويل الأشخاص إلى رموز فوق النقد، وفوق المساءلة، وفوق الحقيقة نفسها...
وهنا يجب أن تُقال الحقيقة دون تجميل:
نحن أمام بذور “صناعة طاغية” حتى لو لم يقصد أحد ذلك...
وهنا أقول:
الطغاة لا يولدون فجأة، ولا يهبطون علينا من السماء، بل يُصنعون،كلمة كلمة، صورة صورة، هتافًا بعد هتاف...
فيبدأ الأمر بالإعجاب،ثم يتحول إلى انبهار، ثم إلى ولاء عاطفي، ثم إلى رفض لأي نقد،ثم إلى عداء لكل من يختلف،ثم… نكتشف متأخرين أننا لم نعد أمام دولة، بل أمام “صنم سياسي” لا يُمس، (وهنا تقع الكارثة).
إن أخطر ما يمكن أن نعيد إنتاجه اليوم هو النموذج الذي دمّر هذه المنطقة مرارًا:
نموذج “الزعيم الذي لا يُخطئ”،و”القائد الذي لا يُسأل”، و”الرجل الذي يُحبّ أكثر مما يُحاسَب”.
- هذا النموذج لم يجلب يومًا استقرارًا، ولا نهضة، ولا كرامة…
- بل جلب القمع، والانفجار، والانهيار...
ولذلك، إن كنّا صادقين فعلًا في حب هذا البلد، فعلينا أن نمتلك شجاعة المواجهة، لا شجاعة التصفيق...
لكل ما قلته اعلاه أدعوكم إلى التفكير بالحقائق التالية، وان رأيتم فيها بعض وطني أرجو التعاضد معها وتبنيها
* الحقيقة الاولى:
لا تقديس لأي إنسان، كائنًا من كان، الرئيس، أي رئيس، هو بشر يُصيب ويخطئ. يحتاج إلى من ينبّهه، لا من يصفّق له، لأن التصفيق الدائم لا يصنع قائدًا قويًا، بل يصنع قائدًا معزولًا يعيش في وهم...
* الحقيقة الثانية:
الدين ليس أداة سياسية، ومن الخطأ الفادح تحويل التدين إلى مشهد علني يُستعرض أمام الكاميرات والجماهير.
الإيمان الحقيقي لا يحتاج إلى إثبات، ولا إلى خطاب تعبوي، ولا إلى مظاهر.
وحين يُستعمل الدين في السياسة، فإنه لا يرفع السياسة… بل يلوّث الدين، ويحوّله إلى وقود للتطرف...
* الحقيقة الثالثة:
لغة التمجيد أخطر من السلاح، فحين يبدأ الإعلام، والخطاب العام، وحتى الناس العاديون، باستخدام عبارات مثل “القائد الملهم”، “المنقذ”، “الذي لا يُخطئ”،فنحن لا نصف واقعًا، بل نصنع كارثة قادمة...
* الحقيقة الرابعة:
الرئيس موظف عام،وهذه ليست إهانة، بل أعلى درجات الاحترام للدولة، فالدول تُبنى حين يكون الجميع خاضعين للمساءلة، لا حين يكون أحدهم فوقها...
* الحقيقة الخامسة:
التطرف لا يُهزم بالعصا فقط، إذ يمكنك أن تسجن متطرفًا، لكنك لا تستطيع أن تسجن فكرة، الفكرة تُهزم بفكرة،بالعقل، بالتعليم، بالإعلام المسؤول، بثقافة تُعلّم الناس كيف يفكرون… لا ماذا يفكرون...
لكن دعونا نذهب أبعد من ذلك، لأن الخطر أعمق مما يبدو:
- المشكلة ليست فقط في من يبالغ في التقديس،بل في من يسكت عنه...
- وليست فقط في الخطاب المتطرف،
بل في البيئة التي تسمح له أن يبدو “طبيعيًا”...
وليست فقط في شخص الحاكم، بل في مجتمع يقبل أن يتحول إلى جمهور...
لذا حين يصبح السؤال جريمة، والنقد خيانة، والاختلاف تهديدًا، فاعلم أننا دخلنا الطريق الخطأ، حتى لو كانت النوايا حسنة...
- الوطن لا يُبنى بالعاطفة وحدها، ولا يُحمى بالهتاف، ولا يُدار بالقداسة...
- الوطن يحتاج إلى عقول باردة، لا قلوب مشتعلة فقط...
- يحتاج إلى مواطنين، لا أتباع،ويحتاج إلى دولة، لا صورة...
ولكل هذا إن كان لي أن أسدي من نصيحة صادقة، فهي هذه:
- قولوا الحقيقة الآن، حتى لو كانت قاسية...
-انتقدوا الآن، قبل فوات الاوان وقبل أن يصبح النقد مجرماً ووبالا على ممارسه أو الناطق به ...
- اكسروا هالة التقديس، قبل أن تتحول إلى سجن جماعي...
- افصلوا الدين عن الصراع السياسي، قبل أن يتحول الخلاف إلى معركة مقدسة لا تنتهي...
- علّموا أبناءكم أن يسألوا، لا أن يصفّقوا...
- ولا تخافوا من الوضوح، فالخوف الحقيقي ليس من قول الحقيقة، بل من عواقب السكوت عنها...
في النهاية:
لا أحد سيُنقذ هذا البلد من نفسه، إلا أهله، والتاريخ لن يرحمنا إن رأينا الخطأ، وفهمناه، ثم قررنا أن نصمت...
فالطغيان لا يبدأ بالسجون، بل يبدأ بالتصفيق، ولا ينتهي بالقوة، بل حين يستعيد الناس عقولهم...
اللهم قد بلغت… اللهم فاشهد.
اخوكم :
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.