--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

راسيات الدم: مجزرة حي المشارقة في حلب – ١١ آب ١٩٨٠

Salah Kirata • ٢١‏/٢‏/٢٠٢٦


 راسيات الدم: مجزرة حي المشارقة في حلب – ١١ آب ١٩٨٠

بداية :
المعلومات عن المجزرة نفسها قليلة نسبيًا في المصادر الدولية الموثوقة، لكن هناك روايات موثّقة جزئيًا من مصادر حقوقية وشهادات. وقد جمعت لكم التفاصيل المتاحة بأكبر قدر من الدقة الممكنة

في صباح 11 آب (أغسطس) 1980، وفي أول يوم من عيد الفطر المبارك، تحوّلت فرحة الآلاف من أهالي حي المشارقة في مدينة حلب إلى مجزرة مروّعة لا تُنسى في صفحات التاريخ السوري الحديث.

كانت الآذان قد أُقيمت، والناس يتهيؤون لصلاة العيد وزيارة الأهل والأصدقاء، لكن ما كان ينتظرهم كان أصعب من أصعب كوابيسهم.

في هذه اللحظات، أقدمت وحدات من القوات الخاصة التابعة لجيش النظام السوري (ضمن الحملة العسكرية التي كانت تشنّها أجهزة النظام على مدينة حلب خلال صراع دامٍ بين الدولة وخصومها المسلحين) على جَمع عدد من المواطنين داخل حي المشارقة بشكل عشوائي من داخل منازلهم.

تم إحضار من اختاروا من السكان، بعدما أجبرتهم القوات على ترك منازلهم، إلى مقبرة هنانو المجاورة في نفس الحي، بالقرب من التلال والأشجار البالية.

هناك، وفي مكان أقرب إلى مشهد الجحيم منه إلى أي معسكر أو ساحة حرب، كان قرار القتل:

كانت الأوامر واضحة بلا رحمة:
"أطلقوا النار على الجميع".

فُتح النار بكثافة على من كانوا واقفين عند المقبرة – كبارًا وصغارًا – بمن فيهم أسر كاملة وأطفال كانوا فرحين بملابس العيد، فهُدِّمت أمانيهم في لحظة واحدة.

لا يوجد رقم رسمي متفق عليه، لكن عدة تقارير حقوقية وسّعت نطاق عدد القتلى بين نحو 83 حتى 100 شخص، أغلبهم من المدنيين الأبرياء الذين لم يكن لهم علاقة مباشرة بالقتال أو بالحركة المسلحة. وبحسب تقرير قاضي التحقيق بمحكمة جبل سمعان في حلب، فإنهم بلغوا من المواطنين 83 اسمًا موثّقًا قُتلوا في هذه الجريمة.

كانت الجثث تُلقى في حفرة جماعية في الأرض، وقد دفنت فيها القوات الضحايا جماعيًا، وحتى بعد دفن البعض، رأوا أن البعض ما زال يتنفس بينما الطين يغطّيهم، في مشهد لا يصدّقه العقل.

وقد وثّقت منظمات حقوقية كـمنظمة العفو الدولية و«هيومن رايتس ووتش» تلك الحادثة كأحد المجازر التي ارتكبتها قوات النظام خلال حملة القمع التي شهدتها حلب عام 1980، في إطار ما عرف لاحقًا بـ حصار حلب والتحركات العسكرية داخل الأحياء.

 الأسباب المباشرة وغير المباشرة

1. الخلفية السياسية العامة

في الفترة من 1979 وحتى أوائل الثمانينيات، كانت سوريا تشهد توترًا داخليًا شديدًا بين أجهزة الدولة بقيادة الرئيس حافظ الأسد وبين مجموعات إسلامية مسلحة، خصوصًا جماعة الإخوان المسلمين، التي خاضت حملة مسلحة ضد رموز الدولة وممتلكاتها في عدة مدن، منها حلب وحمص وحماة.

أما الدولة، فكان ردّها قاسيًا، باستخدام وحدات الجيش والشرطة العسكرية والـ«أجهزة خاصة» في قمع أي نشاط يُشتبه في تحوّله إلى تمرد.

2. السبب المباشر

وقع في الأيام السابقة لـ11 آب 1980 هجوم على دورية أمنية في حي المشارقة، ما دفع القوات الأمنية إلى الاعتقاد بوجود دعم محلي أو مشاركة من بعض السكان في أعمال العنف ضد أجهزة الأمن.

ردّ القوات كان سريعًا وقاسٍ: بدلاً من استهداف من ارتكبوا الهجوم أو المتورطين مباشرة، تم استهداف أحياء بأكملها وسكانها بصورة عشوائية، في ممارسة انتقامية ضد المجتمع المحلي الذي اعتُبر “كافة ضمن دائرة الاشتباه”.

 من نفّذها ومن هم الضباط الضالعون؟

لم تُعلن الحكومة السورية رسميًا عن أسماء الضباط أو الوحدات التي نفّذت المجزرة، لكن المصادر المتاحة تشير إلى أن تنفيذها جاء بأوامر من قيادات القوات الخاصة (Special Forces) المتواجدة في حلب آنذاك، والتي كانت تحت إشراف قيادة النظام المركزي في دمشق.

وفقًا لسجلات التحقيقات الحقوقية، فإن الوحدات الخاصة التابعة للجيش السوري – التي كانت أداة القمع الرئيسية في مواجهة البؤر المسلحة – هي من أداروا الحملة داخل حي المشارقة، بتوجيه من ضباط قياديين، من دون أن تظهر أسماء واضحة في السجلات الرسمية عامة.

 عدد القتلى والجرحى

لا توجد أرقام حكومية رسمية، لكن التقديرات من تقارير التحقيق والمحكمة المحلية تشير إلى ما يلي:

  • القتلى: ما بين 83 حتى نحو 100 مدنيًا قتلوا في الموقع حسب شهادات وشهادات مذكورة.
  • الجرحى: عدّوا بالمئات، إذ أصيب المئات من المدنيين بجروح متفاوتة نتيجة إطلاق النار الكثيف والعشوائي على عامة الناس.

وتعدّ هذه الأرقام جزءًا من حصيلة أوسع للعنف الذي ضرب حلب في تلك الحقبة، حيث قُتل المئات في اشتباكات وحوادث انتقامية أخرى خلال حملة القمع العسكرية الشاملة التي طالته بين 1980 و1981.

 تداعيات المجزرة على المجتمع السوري

1. أثر نفسي واجتماعي عميق

لقد تركت المجزرة جرحًا نفسيًا لا يُمحى في نفوس الأهالي الذين عايشوا تلك اللحظات، وأصبحت ذكرى 11 آب علامة سوداء في تاريخ حلب وسوريا. الآباء الذين فقدوا الأبناء، والأمهات اللواتي فقدن عوائلهن بالكامل، لا تزال ذكراهم تُذكر في المناسبات السنوية، ويتظاهر البعض لإحياء الحدث، حاملين صور الضحايا وهتافات الرفض والاحتجاج.

2. تعزيز مناخ الخوف والقمع

ساهمت المجزرة في ترسيخ مناخ من الخوف والرهبة تجاه أجهزة الدولة الأمنية، ليس فقط في حلب بل في سوريا ككل، فأصبحت الأحياء والمحافظات حرفيًا تحت رقابة مشدّدة، وكل صوت معارض أو حتى جريء للتعبير عن رأي قد يُفسّر كتهديد، ما يجعل الردّ صارمًا.

3. تآكل الثقة بين المواطنين والدولة

بعد أيام من العمل العسكري والمجازر، انسحب الكثير من السكان إلى الداخل، متوجّسين من أي احتكاك مع السلطة، ما أدى إلى مزاج عام من الانكفاء الاجتماعي وصمت الجماعة. حالت الخشية من الانتقام دون بروز أي حراك شعبي تنظيمي في تلك المرحلة.

4. بزوغ الذاكرة والاستذكار لاحقًا

بعد عقود، صارت هذه الحادثة رمزًا في الرواية التاريخية المعارضة للسُلطة، فقد خرجت مظاهرات في ذكرى المجزرة في 2011 في حي الأكرمية لمناداة بـ”العدالة” و”الحرية”، مضيفة أهمية حدث المشارقة إلى ذاكرة الجماعة السورية الأوسع.

 خاتمة 

في صباح عيد الفطر، بينما كانت زغاريد الأطفال تُعلّي سماء المشارقة، كانت هناك رصاصات تُعلّق الأرواح في الهواء… في تلك اللحظة انقلب الفرح إلى صرخة، والفرحة إلى ذكرى دموية لا تُنسى.

إن مجزرة حي المشارقة سنة 1980 لم تكن حادثة عابرة، بل شهادة على قسوة الصراع الداخلي في سوريا في تلك الفترة، وعلى الثمن البشري الهائل الذي دفعه المدنيون الأبرياء – ثمن لم يُحتَسَب في سجلات الحرب والمقاومة.