
د. صلاح قيراطة، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية :
( رسالة الغفران ٢ )...
أكتب هذه الكلمات من عمق وجودي، لأبوح بما أؤمن به، بما يملأ روحي، وبما يشكل فكرِي في عالم يختلط فيه الضوء بالظل، ويختلط فيه الحق بالباطل، ويغرق فيه الإنسان في ضجيج لا يتوقف، حيث تختلط الأصوات وتضيع الكلمات بين السلطة والطمع، بين التقليد والزيف، هذه الرسالة ليست مجرد كلمات، ولا موقفًا عابرًا، بل هي انعكاس ليقين أعيشه في كل نفس أتنفسه، في كل شعور يمس وجداني، في كل فكرة تنبثق من صميم عقلي، وهي صرخة عقل وروح، محاولة لكشف الحقيقة كما أراها، بلا وساطة بشرية، بلا مساومة، بلا ضبابية، بلا تزييف، وبلا خوف...
أنا أؤمن بأن الله في علاه واحد أحد، فرد صمد، لا يشبهه شيء، ولا يقاس عليه شيء، لا تحده حدود المكان، ولا يقيّده الزمن، ولا يستطيع عقل بشر مهما علا شأنه أن يحيط به، فالإيمان به ليس مجرد كلمات تتكرر في الطقوس، بل هو شعلة متوهجة في وجداني، نور ينساب في كياني، يرشد فكري، ويشكل بوصلة حياتي، وهو اليقين الذي لا يتزعزع، وهو العلو المطلق الذي أستمد منه كل معنى للوجود، كل قدرة على التمييز بين النور والظل، الحق والباطل، الصواب والخطأ...
أقر بالحقائق التي حملتها الكتب السماوية التي لم تتعرض للتحريف، أؤمن بما فيها من رسائل عقلية وروحية، بما فيها من دعوات للعدل والخير والجمال، وما فيها من ضوء ينير طريق العقل والروح، ويمد الإنسان بجسور الفهم إلى ما يحقق الكمال، لكني أعطي المعقول الأولوية على المنقول، أفضله فوق كل نص لم يثبت عقله وصحته، لأن العقل هو ميزان الحق، أداة الإنسان الحقيقية لتمييز الصواب من الخطأ، النور من الظلام، الكمال الروحي من عبث الزمان، أما الكتب الصفراء، المليئة بالخرافة، أو المكررة بلا روح، فهي عندي بلا قيمة، مجرد صدى بلا نور، لا أستند إليها، ولا أسمح لها أن تسلبني يقيني أو تشوش على فهمي للمعقول...
ولكن مع هذا اليقين، هناك إشكاليتان تواجهانني، لا يمكن تجاوزهما، لأنهما يحددان طبيعة العلاقة بين الإنسان والدين والحياة :
الإشكالية الأولى :
تتعلق بالسياسة والدين، اذ أرفض بلا أي تردد، بلا مساومة، أن يختلط الدين بالسياسة، أو أن يتحول الإيمان إلى أداة لتحقيق مصالح دنيوية أو سلطوية، فالدين الذي أؤمن به، هو نقاء خالص، شعلة لا يلوثها طمع، هو انعكاس للمعقول في أبهى صوره، هو مرآة الروح التي تصونها من فساد العالم ومن خديعة السلطة...
أما السياسة، فهي عالم معقد، متقلب، أحيانًا قذر، يصل فيه الإنسان إلى حدود البغاء، يختلط فيه الحق بالباطل، ويصبح فيه الخداع والانتفاع الشخصي وسيلة للبقاء أو السيطرة...
لذا فإن أي محاولة لخلط هذين العالمين هي خيانة للروح، قتل للنقاء، إذلال للعقل، وانتهاك للقداسة، فالدين لا يجوز بشرعتي أن يُستعمل وسيلة للسيطرة أو التسلط، ولا يُستغل لتبرير الجشع أو الفساد، بل يجب أن يبقى مصدراً للنور، وملاذاً للمعقول، وحصناً يحمي الإنسان من نفسه ومن الآخرين الذين يسيئون فهم القداسة...
الإشكالية الثانية :
تتعلق بالعلاقة المباشرة بيني وبين الله، لذا ترامب أرفض أن يكون بيني وبينه أي بشر يتوسط، مهما علا شأنه: شيخ، مفتي، وزير، أمير، رئيس، ملك، نبي، أو رسول، إلا في حدود الإبلاغ الذي كلف به الأنبياء والرسل...
نعم علاقتي بالله مباشرة، صافية، بلا وساطة، بلا منازعة، بلا صوت بشري يقرر نيابة عني ما أؤمن به، لا من الوعاظ، أو القراء، أو علماء الدين الذين يحاولون تجاوز هذا الحد يبقون عندي مجرد أصوات هامشية، لا قيمة لها في يقيني، ولا في قراراتي، ولا في عملي الروحي...
ف الله وحده كافٍ، وهو الذي أستمد منه المعرفة واليقين، وهو الحكم الأخير في كل أمر، وهو القادر على إرشادي إلى الطريق الصحيح دون تدخل بشري، ودون وساطة لا حاجة لها...
من اجل كل الذي ذكرته اعلاه فأنا أعيش هذا الفصل بين الروح والسياسة، بين النقاء والفساد، بين المعقول والمنقول، كحقيقة ثابتة لا تتزعزع، فأنا كل يوم أقرأ، أفكر، أتحقق، أقارن، وأميز بين النور والظل، بين الحق والباطل، بين ما يصلح للحياة وما يضرها. كل محاولة لاستغلال الدين، أو للعبث بالمعقول، هي محاولة لقتل روح الإنسان، لإطفاء ضوء العقل، لتقويض استقلالية الإرادة،ولإحباط اليقين الذي يشكل جوهر العلاقة بين الإنسان وربه...
ففي عالمي، الدين نقاء لا يلوثه طمع، العقل يقين لا يحيد، والسياسة تجربة البشر وحدها، وأن أخلط بينهم إنما هو أن أخلط النور بالظلام، الحقيقة بالباطل، اليقين بالوهم ...
لذا :
أنا أرفض ذلك بلا تردد، بلا خوف، وبكل وضوح، وأصون نفسي من كل محاولة لتقييد عقلي أو تحريف علاقتي بالله من قبل أي سلطة بشرية أو كلام زائف يروج للنفوذ أو السيطرة...
فالله واحد، والحق واضح، والمعقول سيد، وكل ما سوى ذلك هو هامش، وكل ما سوى ذلك هو تجربة عابرة لا تستحق أن تكون أساساً للإيمان أو القرار...
هذه الرسالة ليست مجرد كلمات، بل انعكاس لحقيقة أعيشها، شعور أعيشه، وفكر أؤمن به، هي صرخة عقل وروح، محاولة لتوضيح أن العلاقة بين الإنسان وربه لا تُقاس بالوسائط البشرية، وأن اليقين الحقيقي لا يُستبدل بألقاب أو صلوات آلية، بل بالمعقول والنقاء الذي يختبره كل فرد في أعماق نفسه، في صمت قلبه، وفي عمق فكره...
اخيرا :
اعرف قدر نفسي، ولا أتجاوز ما أنا عليه، لكن هذا لم يمنعني من أن أقول عن التالي من مقالي ان
ط هذه هي رسالة الغفران ٢ : فهي صرخة للمعقول، وللنقاء، ولليقين الذي لا يتزعزع، دعوة للعيش في ضوء الحقيقة بلا وساطة، بلا مساومة، بلا خوف، وبكل وضوح، صرخة للعقل والروح، وفصل تام بين ما هو سامٍ ومقدس وما هو دنيوي وزائل.