
تعيش الساحة السياسية السورية، في هذه المرحلة الدقيقة، حالة من التوسع غير المنضبط في الخطاب العام، حيث تتقدم الأصوات المرتفعة على حساب الأصوات العميقة، وتعلو لغة الانفعال على حساب لغة التحليل. ومع اتساع فضاءات التعبير، برزت ظاهرة باتت تؤثر بشكل مباشر على جودة النقاش العام: تحول بعض المنابر إلى ساحات استعراض أكثر من كونها فضاءات تفكير سياسي مسؤول.
المشكلة ليست في تعدد الآراء، فهذا أمر صحي في أي مجتمع يتجه نحو التعافي وإعادة البناء، بل في طبيعة هذا الخطاب نفسه. إذ يغلب عليه في كثير من الأحيان الطابع العاطفي، والاندفاع نحو إطلاق الأحكام المطلقة، وتبسيط القضايا المعقدة إلى ثنائيات حادة لا تترك مساحة للفهم أو المراجعة. وبدل أن يكون النقاش وسيلة لتقريب وجهات النظر، يتحول أحياناً إلى مساحة لتكريس الانقسام وتعميق الفجوات داخل المجتمع.
هذا النمط من الخطاب، مهما كانت نواياه، يساهم في إعادة إنتاج الاصطفاف الاجتماعي، ويغذي منطق “الفرز” بين أطراف المجتمع الواحد، بدلاً من ترسيخ مفهوم الشراكة الوطنية. كما أنه يضعف القدرة الجماعية على التفكير في حلول واقعية، لأن الانشغال بالشعارات يطغى على البحث في السياسات والبدائل الممكنة.
المرحلة التي تمر بها البلاد ليست مرحلة استعراض أو تنافس خطابي، بل مرحلة انتقال تتطلب أدوات مختلفة تماماً: تفكير مؤسسي، ورؤية استراتيجية، وقدرة على تحويل التحديات إلى برامج قابلة للتنفيذ. وهذا لا يتحقق عبر الخطاب الحماسي وحده، بل عبر نخب سياسية وثقافية قادرة على التحليل، وربط الوقائع ببعضها، وبناء تصورات طويلة الأمد تستند إلى فهم عميق للمجتمع واحتياجاته.
إن ما تحتاجه سورية اليوم ليس مزيداً من الأصوات، بل مزيداً من العقول التي تُحسن الإصغاء قبل أن تتكلم، وتُتقن تحويل الاختلاف إلى مساحة إنتاج بدل أن يكون وقوداً للصراع. المطلوب هو خطاب هادئ، عقلاني، لا يكتفي بوصف الواقع بل يسعى إلى تغييره، ويبتعد عن التخوين والتعميم، لصالح لغة سياسية أكثر نضجاً ومسؤولية.
ومن أجل رأب الصدع المجتمعي، لا بد من إعادة الاعتبار لقيم أساسية في العمل العام: احترام التعدد، ضبط الخطاب الإعلامي، تشجيع الحوار الحقيقي بدل الجدل الاستعراضي، وإفساح المجال أمام الكفاءات الفكرية والسياسية التي تمتلك أدوات التحليل لا أدوات الإثارة. كما أن على المنابر الإعلامية واللقاءات العامة أن تتحمل مسؤوليتها في رفع مستوى النقاش، لا الاكتفاء بتضخيمه أو تسطيحه.
إن بناء مستقبل مستقر لا يمكن أن يقوم على التراشق الكلامي أو استثمار الانفعالات، بل على تأسيس ثقافة سياسية جديدة، ترى في الاختلاف مصدر قوة لا تهديد، وفي التعددية فرصة لفهم أعمق، وفي الحوار وسيلة لبناء وطن يتسع للجميع.
في النهاية، ما تحتاجه المرحلة هو انتقال من “سياسة الصوت” إلى “سياسة الفكرة”، ومن إدارة اللحظة إلى صناعة المستقبل. فالأوطان لا تُبنى بالانفعال، بل بالعقل الذي يملك الشجاعة ليهدأ حين يعلو الضجيج، ويفكر حين يختار الآخرون الصراخ.