--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

سان بطرسبرغ… حيث تُكتب صفقة ما بعد النار

Salah Kirata • ٢٦‏/٤‏/٢٠٢٦

19680.png

سان بطرسبرغ… حيث تُكتب صفقة ما بعد النار:

ليست زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى روسيا، ولقاؤه المرتقب مع فلاديمير بوتين في سان بطرسبرغ، مجرد محطة بروتوكولية في جولة دبلوماسية عابرة. فالرجل وصل إلى موسكو بعد جولة شملت عُمان وباكستان، وفي لحظة شديدة الحساسية: هدنة مؤقتة بعد مواجهة أمريكية–إسرائيلية مع إيران، مفاوضات متعثرة، وممرات طاقة عالمية لا تزال معلقة على حافة الانفجار.

وكالة الأنباء وتقارير أوروبية أكدت أن عراقجي يتجه إلى لقاء بوتين يوم الاثنين، وأن طهران تصف الزيارة بأنها جزء من “مشاورات وثيقة” مع موسكو بشأن “آخر أوضاع المفاوضات والهدنة والتطورات المحيطة”، مع تقديم تقرير مباشر للقيادة الروسية حول مسار التفاوض لإنهاء الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل .

هذا وحده كافٍ لفهم أن موسكو ليست متفرجاً، بل شريكاً في رسم المرحلة التالية.

الأهم أن هذا التحرك الإيراني يتزامن مع تصريح واضح من وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بأن بلاده “مستعدة للوساطة” بين واشنطن وطهران إذا أراد الجميع ذلك. لافروف قالها بصيغة لا تحتمل التأويل: “إذا أراد الجميع، فنحن مستعدون”، وأضاف في مناسبة أخرى أن موسكو جاهزة “للمساعدة والوساطة ولعب أي دور يكون مفيداً من وجهة نظر إيران ومقبولاً من الولايات المتحدة”، مع تأكيده أن أي اتفاق يجب أن يبقى محصوراً بالملف النووي لا أن يتحول إلى منصة لإعادة هندسة النظام الإيراني أو الإقليم كله .

هنا تبدأ القراءة الحقيقية.

روسيا لا تعرض الوساطة حباً في السلام فقط، بل لأنها تدرك أن أي تسوية أمريكية–إيرانية خارج المطبخ الروسي تعني تقليص وزنها الاستراتيجي في الشرق الأوسط. موسكو تريد أن تقول لواشنطن: إذا أردتم إغلاق الملف الإيراني، فالمفتاح ليس في مسقط وحدها، ولا في إسلام آباد، بل أيضاً في الكرملين.

والأرجح أن طهران نفسها تريد ذلك.

إيران تعرف أن التفاوض المباشر مع إدارة دونالد ترامب محفوف بانعدام الثقة. ترامب لا يتفاوض وفق قواعد المؤسسات، بل وفق منطق الصفقة الشخصية: ضغط أقصى، تهديد أقصى، ثم فتح باب “الاتفاق الكبير” إذا اقتنع أن المقابل سيدفع الثمن السياسي المطلوب. لذلك تحتاج طهران إلى وسيط يملك قدرة التأثير الحقيقي على البيت الأبيض، لا مجرد صندوق بريد دبلوماسي.

روسيا ترى نفسها هذا الوسيط.

وليس صدفة أن ترامب نفسه خرج ليقول إنه يجري اتصالات “جيدة” مع بوتين، كما تحدث سابقاً عن علاقة “ممتازة” واتصال “إيجابي جداً” مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، شمل ملفات التجارة والطاقة وتايوان وإيران والحرب الأوكرانية. وفي مقابلة حديثة أكد أنه يتواصل مع بوتين ووصف المحادثات بأنها “جيدة” .

هذا ليس تفصيلاً.

حين يقول ترامب إنه يتحدث جيداً مع بوتين وشي معاً، بينما يصل وزير خارجية إيران إلى روسيا، وحين تعلن موسكو استعدادها للوساطة، فإننا لا نكون أمام ثلاث وقائع منفصلة، بل أمام مشهد واحد: إعادة توزيع أدوار في النظام الدولي.

واشنطن تحتاج إلى تهدئة الملف الإيراني كي لا يتحول إلى استنزاف جديد مفتوح فوق أوكرانيا وفوق التنافس مع الصين. إيران تحتاج إلى تثبيت وقف النار من دون أن تظهر بمظهر المنكسر. روسيا تحتاج إلى تثبيت نفسها كرقم لا يمكن تجاوزه في أي تسوية كبرى. أما الصين، فهي تريد ببساطة ألا يشتعل الخليج بما يهدد شريان طاقتها الأول.

لذلك فإن سان بطرسبرغ ليست مجرد مدينة للقاء، بل غرفة عمليات سياسية.

قد لا يخرج اللقاء بإعلان كبير، ولا بصورة مصافحة تُغيّر العناوين فوراً، لكن الأرجح أن ما يُطبخ هناك هو شكل “التسوية المقبولة”: لا انتصار أمريكياً كاملاً، ولا هزيمة إيرانية كاملة، ولا خروج روسي من المعادلة.

بمعنى أدق: الجميع يبحث عن صيغة تحفظ ماء الوجه وتمنع حرباً أكبر.

ترامب يريد أن يبيع للأمريكيين أنه أجبر إيران على التراجع. إيران تريد أن تبيع لشعبها أنها صمدت ومنعت الإملاء. روسيا تريد أن تبيع للعالم أنها عادت مركزاً إلزامياً في صناعة التوازنات.

ولهذا فإن زيارة عراقجي إلى بوتين ليست زيارة إلى حليف، بل إلى شريك في كتابة شروط النجاة.

في السياسة الكبرى، لا أحد يذهب إلى سان بطرسبرغ للسياحة.
يذهبون حين تكون الحرب قد قالت كلمتها، وتبدأ المساومات على ترجمتها.