
لما سألته عن ظروف اعتقاله قال :
دخلتُ سجن صيدنايا وأنا أحمل اسمي كاملًا، وخرجتُ منه وأنا أتحسّس الرقم الذي صار اسمي حين صارت الأسماء عبئًا على الممرّات الضيّقة...
في الداخل، الحجر لا يحفظ الوجوه، لكنّه يحفظ الصدى، الصدى وحده يعرف كم مرّة ارتطمت الكرامة بالجدار، وكم مرّة نهضت لتقع من جديد. كانت الزنازين مكتظّة إلى حدّ أن الهواء نفسه يتناوب بين الصدور... التعذيب لغة الإدارة، والعقاب الجماعي نحوها اليومي، والوقت كتلة بطيئة تُسحَب منّا بلا إذن، كلّ ما سبق المجزرة كان تمهيدًا لها : تشديد التفتيش، إطالة الوقوف، إهانات علنيّة، وتجويع مقصود، كأنّ المكان يُدرّبنا على القبول بالموت بوصفه احتمالًا إداريًا...
في الليلة التي سبقَت المجزرة تغيّر إيقاع المكان من غير إعلان، الممرّات أطول، والطرقات على الأبواب أغلظ، والأصوات في الأعلى أكثر برودة، قيلت كلمة واحدة تكفي لتبرير عاصفة( تمرّد ) كلمة قصيرة تُغلِق باب الأسئلة وتفتح باب البنادق، لم نرَ تمرّدًا مسلّحًا؛ رأينا أجسادًا مُنهَكة تحتجّ بصمتها، ورأينا إدارة تريد مثالًا يُعادله الخوف، فالذريعة جاهزة دائمًا وهي أن ( الأمن مُهدَّد )، وبهذه الجملة تُختصر حياة بشر في ملفّ إداري...
حين انفتح الممرّ كفمٍ من حجر، اندفعوا بلا أسماء، الوجوه مُغطّاة، والأوامر قصيرة، والضرب يسبق السؤال، وقفنا متلاصقين لأنّ الجدار طلب ذلك، الطلقات لا تُكثر الكلام؛ تُنهيه، من وقع لم يُمنَح زمنًا ليقع حقًّا؛ الأرض كانت شريكة في الإسكات، رأيتُ الدم يتعلّم المشي بمحاذاة الجدران كي لا يُرى، ورأيتُ الصور المطويّة في الأحذية تبقى نظيفة لأنّ الورق أحيانًا أصدق من الأجساد، كان المشهد سلسلة لحظات تتكاثر بسرعة الرعب، اقتحام عنيف لأجنحة السجناء، إطلاق نار وضرب جماعي، سحب جثث بلا أسماء، وجرحى يُتركون كي يتعلّموا الصمت أو يموتوا عليه. لم تكن المجزرة لحظة واحدة؛ كانت موجات، وفي كلّ موجة يسقط اسم، ويصعد رقم...
الذرائع التي قيلت في الخارج أغلقت الحكاية بجملة واحدة، أمّا في الداخل ففتحت ألف صرخة. قيل إنّ ما جرى ( إجراء وقائي لإعادة الانضباط ) الانضباط في قاموس السجن يعني أن تتنفّس بإذن، وأن تنظر إلى الأرض، وأن تُقنِع قلبك بأنّ النجاة مؤقّتة، بعد ذلك اليوم تغيّر السجن نفسه الحجر أثقل، والسماء أبعد، والطرقات على الأبواب تعلّمت إيقاعًا جديدًا يوقظ الجرحى قبل الأصحّاء، فمن بقي حيًّا عاش بعينين :
عين ترى الحاضر، وأخرى ترى الممرّ يعود في الليل...
التاريخ الذي يُتداول لتلك المجزرة هو عام 2008، إلا أن التاريخ في الذاكرة لا يُكتَب بالأرقام؛ يُكتَب بالروائح، رائحة البارود المختلطة برطوبة الحجر، أمّا عدد من قُتلوا فبقي رقمًا يتبدّل بحسب من يروي، هناك من يقول عشرات، وهناك من يرفع العدد إلى المئات، في مكانٍ يُعاقَب فيه السؤال، يصير الرقم جريحًا مثل صاحبه...
أمّا ( مَن نفّذ ) فالسؤال يُجاب عليه بضميرٍ عام قوات وأجهزة أمنية وعسكرية تابعة للنظام السوري نفّذت الاقتحام والقمع، تسمية وحدة محدّدة تبقى بلا توثيق علني قاطع في المصادر المفتوحة. في أماكن كهذه، الأوامر تتسرّب من فوق ولا تترك أثرًا يُمسَك به...
وختم حديثه قائلا وسط ذهول كل من كان حاضرا تلك الأمسية : خرجتُ لأنّني صادفتُ صدفةً صغيرة اسمها ( النجاة ) النجاة ليست بطولة؛ هي خطأ إداري في سجلّ الموت،حملتُ الأسماء التي تناثرت من مسبحةٍ انقطع خيطها، وخرجتُ بها إلى العالم، الحجر ابتلع أسماءهم يومها، لكنّه لم يستطع ابتلاع الحكاية...
الحكاية الآن أمانة في فم من نجا، وفي أذن من يريد أن يسمع، وفي ورقةٍ تعرف أنّ الصمت ليس حيادًا.