--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

شهادة من موقع معايشة لبدايات الأحداث السورية (2011): بقلم: د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية

Salah Kirata • ١٢‏/٥‏/٢٠٢٦

32141.jpg

شهادة من موقع معايشة لبدايات الأحداث السورية (2011):

بقلم:

د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

كثيرون ممن كتبوا أو تحدثوا عن ما قبل انطلاق الحراك المجتمعي في سوريا مطلع عام 2011، تعاملوا مع تلك المرحلة باعتبارها لحظة انفجار مفاجئة بين نظام وشارع. لكن من موقع المتابعة والمعايشة والاحتكاك ببعض الفاعلين، أرى أن ما جرى كان في بداياته أقرب إلى حالة “اختلاف متوتر” ثم “نزاع سياسي واجتماعي” قبل أن يتحول لاحقًا إلى صراع مفتوح، وليس إلى لحظة واحدة فاصلة يمكن اختزالها بشعار أو حدث منفرد.

في السرديات المتداولة، وخاصة ما أورده ميشيل كيلو في بعض لقاءاته الإعلامية، ومنها حديثه مع قناة العربية، تم الإشارة إلى أن بعض القيادات الأمنية في تلك المرحلة كانت تنقل رسائل شديدة اللهجة، تفيد بأن الدولة مستعدة لاستخدام القوة المفرطة إذا خرجت التظاهرات إلى الشارع. ويُنسب إليه روايته عن لقاء مع اللواء علي مملوك حين كان في موقعه الأمني، وما تخلل ذلك من تحذيرات حادة من انفلات الأوضاع. كما أشار إلى واقعة استدعاء شخصية نسائية سورية بين أجهزة أمنية متعددة، وصدور تهديدات قاسية في سياق الضغط السياسي والأمني في تلك الفترة.

وبحسب تلك الروايات، فإن هذه المؤشرات سبقت انطلاق التظاهرات بأيام معدودة، بما يوحي بأن منطق القبضة الأمنية كان حاضرًا بقوة في تقدير المشهد لدى بعض دوائر القرار.

وأنا لا أنفي هذه الشهادات، لكنها بالنسبة لي ليست الصورة الكاملة، بل جزء من مشهد أعقد بكثير.

من موقعي، وضمن شبكة من الاتصالات غير الرسمية التي كانت تتيح لي الاحتكاك ببعض الفاعلين السياسيين والأمنيين، أذكر أنه قبل نحو أسبوع من بدء التظاهرات الفعلية، جرى تنادٍ في دمشق لدعوة إلى اعتصام أمام مجلس الشعب بعد صلاة الجمعة. في تلك اللحظة، تم اتخاذ ترتيبات ميدانية واسعة النطاق، شملت توزيع مجموعات في الأزقة والطرقات المؤدية إلى المكان، ليس بهدف الصدام، بل – كما كان يُقال – لضبط الإيقاع ومنع الانزلاق إلى الفوضى، ومحاولة التأثير على طبيعة الهتافات ومنع تحولها إلى شعارات تصعيدية.

كان هناك شعور واضح بأن المشهد قابل للانفلات، وبأن السيطرة على الشارع ليست مسألة أمنية فقط، بل هي أيضًا مسألة إدارة حشود وتوازنات دقيقة.

لكن المفارقة التي لا أنساها، أنه مع انتهاء صلاة الجمعة، لم يحدث ذلك التدفق المتوقع نحو مجلس الشعب. بل ساد نوع من الانقطاع المفاجئ في الحركة في الشارع المؤدي إليه، وكأن قرارًا غير مرئي قد أوقف الزخم في لحظته الأولى. وفي المساء، تناقلت وسائل إعلام أن بعض سائقي سيارات الأجرة كانوا يتجنبون المرور في المنطقة خشية التصعيد.

في تلك اللحظة، بدأت أطرح سؤالًا مختلفًا: هل كانت ديناميكية الشارع تُدار فقط من الداخل الاجتماعي، أم أن هناك عوامل أخرى تتقاطع معها وتؤثر في توقيتها وحدودها؟

لاحقًا، وفي مرحلة ما بعد منتصف آذار 2011، وخلال نقاش مع شخصية سياسية رفيعة، طرحت تصورًا بأن المرحلة التالية قد تكون الانتقال من المطالب الإصلاحية إلى المجاهرة بالمطالبة بإسقاط النظام، وأن التردد في رفع هذا الشعار لم يكن فقط نتيجة الخوف، بل أيضًا نتيجة حسابات التوقيت وتوازنات القوة وتقدير الموقف.

ومع ذلك، أؤكد بوضوح أنني لم أكن يومًا في موقع يشكك في حق الناس في التظاهر أو في عدالة مطالب البسطاء. بل على العكس، كنت أرى أن تراكمات الحكم الاستبدادي منذ مرحلة حافظ الأسد وما تلاها قد أنتجت انفجارات اجتماعية وسياسية كان يمكن أن تتكرر بأشكال مختلفة. غير أنني في الوقت ذاته أعتقد أن ما حدث لم يكن حركة داخلية صافية بالكامل، بل تداخلت فيه عوامل إقليمية ودولية، سواء عبر التموضع السياسي أو عبر الدعم أو عبر إعادة تشكيل موازين القوى بعد اندلاع الأحداث.

في تقديري، ما سمي لاحقًا ثورة لم يكن كتلة واحدة متجانسة، بل مسارًا مركبًا: فيه مطالب شعبية صادقة، وفيه أيضًا تدخلات خارجية، وفيه لاحقًا تحولات نحو التسليح والأسلمة، سواء كاستجابة داخلية أو كنتيجة لتفاعلات إقليمية، خاصة مع دخول أطراف إقليمية على خط الصراع، وما تبعه من استقطاب حاد أنتج ردود فعل مضادة.

إن ما أراه اليوم، بعد سنوات من تلك البداية، هو أن ما سمي “الفوضى الخلاقة” أو “إعادة تشكيل الشرق الأوسط” لم يبق مجرد نظرية، بل انعكس بشكل مباشر أو غير مباشر على الواقع السوري. لكنه لم يكن وحده العامل الحاسم، كما لم يكن الحراك الشعبي بريئًا من التناقضات الداخلية أو من التحولات التي طرأت عليه لاحقًا.

في النهاية، لا أكتب هذه الشهادة لأصدر حكمًا نهائيًا على تلك المرحلة، بل لتثبيت رؤية من داخل التفاعل، ترى أن الحقيقة في سوريا لم تكن يومًا خطًا مستقيمًا بين نظام وثورة، بل كانت شبكة معقدة من التداخلات، امتزج فيها المحلي بالإقليمي، والسياسي بالأمني، والاجتماعي بالميداني، حتى أصبح من الصعب فصل البداية عن النتائج التي تلتها.