--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

سهرة تحت الرقابة - نصيحة رفعت الأسد.

Salah Kirata • ١٨‏/٢‏/٢٠٢٦

7XGM7PGNMVOXJA7JD6PNK27SSQ.jpg

سهرة تحت المراقبة : 
نصيحة رفعت الأسد...
في صيف عام ١٩٨٣، في إحدى فيلات رفعت الأسد، كان الجو يئنّ تحت وطأة الترقّب والقلق، قبل أن يصل الضيوف حتى. الدعوة لم تكن عامة، بل كانت محدودة بدقة، موجّهة إلى أشخاص لهم وزنهم السياسي والاجتماعي، ومن بينهم وليد جنبلاط ومروان حمادة، ومع دخولهم، شعروا فورًا بثقل المكان، بثقل الكلمات التي يمكن أن تُقال، وبثقل الصمت الذي يمكن أن يقتلك...
رفعت كان موجودًا بالفعل، ثملاً، لكنه ثمل بطريقة تمنحه حرية الكلام دون أي حواجز، كان يتحرك بلا توقف، يتحدث عن كل شيء، وكأن الكلمات بالنسبة له وسيلة لتثبيت الواقع، أو ربما لتحديه، لم يكن ثملًا عاديًا، بل ثملًا يملك القدرة على المزج بين الهزل والسياسة والتهديد والغطرسة في نفس الجملة...
جلس الضيوف صامتين، يتابعون كل حركة، كل إيماءة، كل ابتسامة مائلة يمكن أن تخفي شيئًا أكثر من مجرد ثمالة، ثم توقف رفعت فجأة، رفع يده وكأن كلمة واحدة يمكن أن تغيّر مجرى التاريخ، وقال بصوت يحمل جدية مفاجئة وسط الضحك والخمول وقال :

            "أريد أن أعطيكم نصيحة"...

كانت الكلمات التالية كالسهم : "أنتم تسيرون مع أخي، أي حافظ، هذا الخط الحليف للاتحاد السوفياتي والمناهض لأميركا، الذي يحارب إسرائيل عبر المقاومة الوطنية"...
الضيوف لم يعرفوا كيف يردون، كل كلمة كانت تنقر على أعصابهم، كل عبارة مثل فخ، وكل نظرة من رفعت كانت تتحقق مما إذا كانوا يبتسمون بشكل صحيح، أو يتحركون كما ينبغي، أو يسكتون كما ينبغي، كان الخوف، الخوف الصامت، أقوى من أي كلمات، ثم جاء التحوّل الصادم، النصيحة التي لم تكن نصيحة بل رؤية جذرية، جريئة، وخارجة عن كل تصور : "ماذا تريدون من كل هذا؟ اذهبوا واتفقوا مع الموارنة، أعطوهم جزءاً من جبل لبنان، وخذوا أنتم الجزء الجنوبي منه، وأقيموا دويلتكم"...
الجملة ارتدت في رؤوسهم كصاعقة، لم يكن بالإمكان الرد، لأن أي كلمة، أي اعتراض، أي حتى همسة، يمكن أن تُسجّل وتُستغل لاحقًا، كانوا يجلسون، وأدمغتهم تعمل بسرعة، تحسب كل كلمة قبل أن تخرج من أفواههم، وكل حركة قبل أن تفعلها أقدامهم، كانوا يحسبون كل ما قد يُكتب، كل ما قد يُتذكر، كل ما قد يُنقَل إلى أعين لا ترى، إلى أجهزة تنصت لا تنام...
لكن رفعت لم يكتفِ بذلك، تابع حديثه، مبتسمًا بابتسامة تميل بين التهكم والغطرسة :
 "أخي أهبل. لدينا، أي العلويين، أحلى منطقة. جبال وساحل. نعمل دولتنا هناك، وبدون كل هذه القصص "...
الضيوف لم يتحركوا، لم ينطقوا بكلمة، كل نفس كان محسوبًا، كل حركة كانت بمثابة مراوغة، رفعت، بلا أن يدركوا، كان يراقب كل شيء وهو :
 كيف تتصل العيون مع بعضها، كيف تتجمد الأجساد تحت وطأة السلطة، وكيف تتصارع العقول بين الرغبة في الرد وبين الخوف من العواقب...
ثم أضاف رفعت بصوت هادئ، كأنه يقدم وصفة باردة للسياسة : "نتصالح مع الأميركيين ونوقّع سلماً مع إسرائيل، ونترك الأمور تسير بهذه الطريقة"...
الهواء أصبح أثقل، كل حرف يُلقي بظلاله على الحاضرين، كانوا يشعرون بكل كلمة كما لو كانت حجرًا ثقيلًا على صدورهم، كل ما دار في أذهانهم كان حساب المخاطر : 
- إذا تحدثوا، ماذا سيحصل؟..
- و إذا صمتوا، ماذا سيخسرون؟.. كان الصمت أكبر لغة هناك، أكبر أداة للبقاء...
العشاء اكتمل بلا كلمات، بلا أي رد فعل ظاهر، كانوا يتحركون كدمى على خيوط مرئية من القلق والرعب الداخلي، يحاولون أن يتنفسوا بلا أن يُكشفوا، كل ابتسامة كانت محسوبة، وكل نظرة كانت مراقبة، وكل حركة كانت معركة بين البقاء وبين الرغبة في الانفجار النفسي...
وعندما غادروا الفيلا، كان كل منهم غارقًا في أفكاره، معتقدًا أنه نجى، أو على الأقل يريد أن يصدق ذلك، لكن الصمت لم يكن مجرد صمت، كان شعورًا ثقيلاً بالرقابة، بالإرهاب النفسي، بالسيطرة المطلقة على كل حركة وفكرة، كان شعورًا بأن أي نصيحة، أي كلمة، أي فكرة يمكن أن تحمل في طياتها مصير دولة أو مصير حياة، وأن أي لحظة غفلة قد تكون مكلفة بثمن لم يتوقعوه أبدًا...
فقد ظلّت كلمات رفعت تتردد في أذهانهم، خريطة لبنان مقسّم، دولة صغيرة للجنوب الماروني، دولة للعلويين في الساحل والجبال، تصالح مع الأميركيين، سلام مع إسرائيل، كانت مجرد أحلام، لكنها أحلام تعكس الغطرسة، الطموح، القوة، والخوف الذي يلتهم كل شيء في لحظة واحدة...
وفي كل خطوة يخطونها بعيدًا عن الفيلا، ظل شعور المراقبة معهم، شعور بأن التاريخ يمكن أن يُعاد كتابته في لحظة، وأن أي نصيحة، مهما بدت بسيطة، قد تكون سلاحًا أو فخًا، وأنهم لم يغادروا الفيلا حقًا، بل ظلوا محتجزين داخل كلمات لم يُقالت بعد، داخل صمت لم ينته، داخل ليلة طويلة من الكلام والثمالة، التي ستظل تلاحقهم طيلة حياتهم.