
شرق أوسط يُعاد تشكيله… لمن يبقى ومن يُقصى؟:
في خضم الصراعات المتصاعدة في المنطقة، لا تبدو الحروب مجرد مواجهات عسكرية عابرة، بل حلقات ضمن مسار طويل لإعادة تشكيل موازين القوة والنفوذ. ما يجري اليوم ليس حدثًا منفصلًا، بل جزء من مشروع أكبر يعيد رسم الخريطة السياسية والاقتصادية والعسكرية للشرق الأوسط، وفق معادلات جديدة لا تشبه ما عرفناه خلال العقود الماضية.
أحد أبرز التحولات المتوقعة يتمثل في إنهاك القوى الإقليمية الكبرى، تلك التي شكّلت لعقود نوعًا من التوازن الذي كنت أنظر إليه على أنه نظريا، ولم يكن الكيان والامريكان في منأى عن ماتقوم به وتستعد له ايران إلا أننا وكما يقول العامة حين يسمنون العجل لذبحه، فلم تكن إيران بالنسبة لهما اي الامريكان والكيان إلا الدجاجة التي تبيض ذهبا وقد أدت دورها بمعرفة قادة ثورتها أو بغبائهم كاملا في مواجهة التفوق الإسرائيلي. حين تُستنزف هذه القوى أو تُعاد صياغة دورها، فإن المنطقة تفقد أحد أعمدتها الرئيسية، ما يفتح الباب أمام واقع أكثر اختلالًا في ميزان القوة.
وفي السياق ذاته، فإن دول الخليج، التي لعبت دورًا اقتصاديًا محوريًا في دعم استقرار المنطقة، تبدو مهددة بفقدان تأثيرها تدريجيًا إذا ما استمرت الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية عليها. أي تراجع في هذا الدور لن يكون مجرد خسارة مالية، بل سيؤدي إلى فراغ استراتيجي واسع، ينعكس على توازنات المنطقة بأكملها.
أما على المستوى الجغرافي، فإن أخطر ما يُطرح هو إعادة رسم الحدود بشكل غير معلن، عبر فرض وقائع جديدة على الأرض. الجنوب السوري واللبناني قد يتحولان إلى مناطق نفوذ مباشر أو غير مباشر، بما يوسع المجال الحيوي لإسرائيل ويقربها من عمق جغرافي لم يكن متاحًا لها سابقًا. هذا التحول لا يقتصر على الأرض، بل يمتد إلى التأثير السياسي والعسكري في كامل الإقليم.
وسط هذه التغيرات، تجد مصر نفسها أمام معادلة أكثر تعقيدًا. فالدعم التقليدي الذي كانت تعتمد عليه، سواء اقتصاديًا من الخليج أو عسكريًا من محيطها الإقليمي، قد يتآكل تدريجيًا. في المقابل، تتعاظم التحديات المحيطة بها، خاصة في الجنوب، حيث تتحول قضايا المياه والملاحة إلى أدوات ضغط استراتيجية قد تُستخدم لإعادة ترتيب أولويات الأمن القومي المصري.
إن ما يتشكل اليوم ليس مجرد صراع على النفوذ، بل مشروع لإعادة تعريف المنطقة بالكامل. مشروع يقوم على تقليص أدوار قوى، وتفكيك أخرى، وإعادة توزيع الأوراق بما يخدم طرفًا واحدًا بشكل أساسي.
وهنا تبرز الحقيقة الأهم: نحن أمام ملامح "شرق أوسط جديد"، لكنه ليس كما رُوّج له سابقًا بوصفه فضاءً للتكامل أو الاستقرار، بل شرق أوسط يُعاد تشكيله بطريقة لا تتسع إلا لقوة واحدة مهيمنة، فيما يُدفع بالبقية إلى الهامش، أو يُعاد تعريف أدوارهم بما يتناسب مع هذه الهيمنة.
في مثل هذا السياق، لا يعود السؤال: ماذا يحدث الآن؟
بل يصبح: من يدرك ما يحدث، ومن يستعد لما بعده؟