
شروط إنهاء الحرب مع إيران… بين منطق التسوية ومعادلة الاستسلام:
مع كل جولة تصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، تعود مسألة التسوية إلى الواجهة، لكن هذه المرة بشروط تبدو أقرب إلى إعادة رسم التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط منها إلى مجرد اتفاق لوقف الحرب. فقد كشفت تقارير أميركية عن مجموعة مطالب يضعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء المواجهة، تتصدرها مسألة تفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل، إلى جانب قيود صارمة على برنامج الصواريخ الباليستية، وتغييرات جوهرية في الدور الإقليمي لطهران.
هذه الشروط، في جوهرها، لا تشبه الاتفاق النووي الذي وقع عام 2015 بين إيران والقوى الدولية، والذي عرف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة. ففي ذلك الاتفاق كان الهدف الحد من القدرات النووية الإيرانية وإخضاعها لرقابة دولية مشددة، مقابل رفع تدريجي للعقوبات. أما الشروط المطروحة اليوم فتذهب أبعد من ذلك بكثير، إذ تدعو إلى تفكيك البنية التحتية النووية الإيرانية ذاتها.
ويعني ذلك عملياً إغلاق منشآت التخصيب الرئيسية مثل منشأة نطنز ومنشأة فوردو ومركز أصفهان للتكنولوجيا النووية، وهي المواقع التي تمثل قلب البرنامج النووي الإيراني منذ سنوات طويلة. وبالنسبة لواشنطن، فإن هذا التفكيك يشكل الضمانة الوحيدة لمنع إيران من تطوير سلاح نووي مستقبلاً.
غير أن المشكلة لا تقف عند حدود البرنامج النووي. فالشروط الأميركية تتضمن أيضاً فرض قيود صارمة على برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، وهو البرنامج الذي تعتبره طهران حجر الأساس في قدرتها الدفاعية والردعية، خصوصاً في ظل الفارق الكبير بينها وبين القوى العسكرية الكبرى في مجالات الطيران المتطور والتكنولوجيا العسكرية.
كما تمتد المطالب الأميركية إلى المجال الإقليمي، حيث تطالب واشنطن إيران بوقف دعمها لحلفائها في المنطقة، سواء في لبنان أو العراق أو اليمن. وهذا الشرط لا يعني فقط تعديل سلوك سياسي، بل يمس شبكة النفوذ الإقليمي التي بنتها إيران على مدى أكثر من أربعة عقود، والتي تعتبرها أحد أهم عناصر قوتها في معادلات الشرق الأوسط.
من هنا يمكن فهم سبب الرفض الإيراني لهذه الشروط حتى الآن. فقبولها لا يعني مجرد توقيع اتفاق لوقف الحرب، بل يعني عملياً التخلي عن ثلاثة من أهم عناصر القوة الاستراتيجية الإيرانية: البرنامج النووي، والقدرة الصاروخية، والنفوذ الإقليمي. وبالنسبة لطهران، فإن مثل هذه المعادلة تبدو أقرب إلى صيغة استسلام استراتيجي منها إلى تسوية سياسية متوازنة.
وفي المقابل، ترى الولايات المتحدة أن هذه الشروط تمثل الحد الأدنى المطلوب لمنع إيران من امتلاك أدوات القوة التي قد تغير ميزان القوى في المنطقة. ومن هذا المنطلق، تبدو واشنطن وكأنها تسعى إلى إعادة صياغة النظام الأمني في الشرق الأوسط، وليس فقط إنهاء مواجهة عسكرية عابرة.
بين هذين المنطقين المتعارضين، تبدو الطريق إلى التسوية شديدة التعقيد. فإما أن تستمر حالة التصعيد والضغط المتبادل لفترة أطول، وإما أن تتجه الأطراف إلى تسوية مرحلية تخفف بعض العقوبات مقابل قيود محدودة، أو تدخل في مفاوضات طويلة قد تعيد إنتاج اتفاق نووي جديد بصيغة مختلفة.
لكن الحقيقة الأهم أن ما يجري اليوم يتجاوز حدود خلاف تقني حول أجهزة الطرد المركزي أو نسب التخصيب. إنه صراع على موقع إيران في التوازنات الإقليمية، وعلى شكل النظام الأمني في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.
ولهذا السبب تحديداً، تبدو شروط إنهاء الحرب مع إيران أكثر من مجرد بنود تفاوضية؛ إنها محاولة لإعادة رسم الخريطة الاستراتيجية للمنطقة بأكملها.