
سقوط النظام السوري...
بين الأساطير السياسية وحقائق موازين القوى:
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
أثار تصريح المحامي والحقوقي السوري أنور البني جدلاً واسعاً عندما اعتبر أن قانون قيصر والمنظمات الحقوقية ومؤسسات المجتمع المدني والمنصات والتنسيقيات كانت العامل الحاسم في إسقاط نظام بشار الأسد، وأن من دخل دمشق عسكرياً لم يكن صاحب الدور الحقيقي في ما جرى...
وبين المبالغة في دور العمل الحقوقي من جهة، والمبالغة في دور الفصائل المسلحة من جهة أخرى، تضيع الصورة الأكثر تعقيداً والأقرب إلى الواقع.
لا أحد يستطيع إنكار أن العقوبات الدولية، والضغوط السياسية، والنشاط الحقوقي والإعلامي، أسهمت خلال سنوات طويلة في إضعاف صورة النظام السوري وعزلته السياسية والاقتصادية، كما لا يمكن إنكار أن عشرات المنظمات والشخصيات المعارضة لعبت دوراً في توثيق الانتهاكات وحشد الرأي العام الدولي، لكن تحويل هذه الأدوات إلى العامل الحاسم الوحيد في إسقاط النظام يتجاوز حدود التحليل الموضوعي إلى حدود المبالغة السياسية...
فالأنظمة لا تسقط عادة بالتقارير الحقوقية وحدها، كما أنها لا تسقط بالبيانات والمؤتمرات مهما بلغ تأثيرها الإعلامي، التاريخ يخبرنا أن مصير الأنظمة يتحدد في النهاية عند نقطة التقاء الإرادة الدولية مع الوقائع العسكرية والأمنية والاقتصادية على الأرض...
وفي المقابل:
فإن نسبة ما حدث إلى انتصار عسكري خالص لهيئة تحرير الشام أو لأي فصيل إسلامي آخر تبدو بدورها قراءة ناقصة، فالأحداث التي شهدتها سورية لم تشبه انتصاراً عسكرياً كلاسيكياً حققته قوة صاعدة على حساب قوة مهزومة في ساحة معركة متكافئة، ولو كان الأمر كذلك لكانت المواجهة اتخذت شكلاً مختلفاً تماماً، ولكانت كلفة الحسم أعلى بكثير مما شهدناه...
الحقيقة التي يتجنب كثيرون الاقتراب منها هي أن الأزمة السورية كانت منذ سنوات طويلة ساحة لتداخل مصالح دولية وإقليمية معقدة، وقد تحولت البلاد إلى نقطة تقاطع لمشاريع متنافسة شاركت فيها قوى كبرى ودول إقليمية وأجهزة استخبارات وجماعات مسلحة متعددة الولاءات والانتماءات...
وخلال سنوات الصراع، تدفقت أموال ضخمة من الخارج، ودخل آلاف المقاتلين الأجانب من اتجاهات إسلامية كلها ذات طبيعة إرهابية متناقضة، "سنية" و "شيعية" على حد سواء، إضافة إلى أنه تم الضخ بمعظم إرهابيي العالم كمرتزقة لسورية والغاية الأساس القضاء عليها هناك وإرهاق الجيش السوري حد التدمير، وبذا تحولت سورية إلى ساحة استنزاف مفتوحة، وفي خضم هذا المشهد تعرض الجيش السوري لاستنزاف هائل بشرياً واقتصادياً وعسكرياً وإعلامياً، بينما تراكمت الضغوط على مؤسسات الدولة بصورة غير مسبوقة...
لكن كل ذلك لا يفسر وحده النهاية التي وصل إليها النظام، فالسؤال الأهم ليس:
- كيف أُضعف النظام؟..
- بل لماذا انتهى في اللحظة التي انتهى فيها؟..
هنا تظهر الفرضية الأكثر منطقية: أن القوى المؤثرة في الملف السوري وصلت في مرحلة معينة إلى قناعة مفادها أن كلفة الإبقاء على النظام أصبحت أعلى من كلفة التغيير، وعندما تصل القوى الفاعلة إلى مثل هذه القناعة تبدأ الحسابات الجديدة بالتشكل، وتتحول النقاشات إلى تفاهمات، والتفاهمات إلى قرارات، والقرارات إلى وقائع على الأرض...
من هذه الزاوية، لا يبدو المشهد وكأنه انتصار كامل للمعارضة المسلحة، ولا هزيمة عسكرية صرفة للنظام، ولا انتصار حصري للمنظمات الحقوقية أو للعقوبات الاقتصادية، بل يبدو أقرب إلى نتيجة لتغير ميزان المصالح لدى الأطراف التي امتلكت التأثير الأكبر في مسار الصراع السوري طوال سنواته...
ولهذا فإن اختزال ما جرى في دور قانون قيصر أو في نشاط المجتمع المدني، كما يفعل بعض المعارضين، لا يقل تبسيطاً عن اختزاله في بطولة الفصائل المسلحة كما يفعل آخرون... فالدول لا تُبنى ولا تسقط بهذا القدر من البساطة.
ربما ساهمت العقوبات في إنهاك الاقتصاد، وربما ساهمت المنظمات في عزل النظام سياسياً، وربما ساهمت الفصائل المسلحة في فرض وقائع ميدانية، لكن العامل الحاسم في اللحظات التاريخية الكبرى يبقى دائماً قرار القوى القادرة على تغيير قواعد اللعبة نفسها...
ولهذا قد يكون الوصف الأقرب إلى الواقع أن النظام السوري لم يسقط لأن خصومه أصبحوا أقوى منه فقط، ولم يسقط لأن المجتمع المدني انتصر عليه وحده، بل لأن الأطراف التي امتلكت القدرة على حمايته أو الإبقاء عليه لم تعد ترى في استمراره مصلحة تستحق الكلفة المطلوبة، وعندما تتغير هذه القناعة، يصبح التغيير مسألة وقت لا أكثر...
في السياسة، كما في التاريخ، كثيراً ما يكون السؤال الحاسم ليس من أطلق الرصاصة الأخيرة، بل من اتخذ القرار الذي جعل إطلاقها ممكناً.