--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

صرخة الدم في كلية مدفعية الميدان في حلب .

Salah Kirata • ١٦‏/٢‏/٢٠٢٦


FB_IMG_1771275153746.jpg
صرخة الدم في كلية مدفعية الميدان في حلب :

كانت الساعة قد تجاوزت السابعة والنصف بدقائق لاتتجاوز العشرة من مساءً من السادس عشر من حزيران ١٩٧٩، وطلاب الضباط في كلية المدفعية بحلب كانوا في قاعات المطالعة بعد استراحة قصيرة...
 أصوات الأوراق والكتب تتقاطع مع همسات خافتة، بعض الطلاب يراجع دفاتره، وبعضهم يحدوه شعور من الملل، واللوحات الاسمية على صدور الجميع تلمع تحت أضواء المصابيح، كأنها شعلة صغيرة لكل واحد منهم...

قبل موعد العشاء بقليل، جاء الأمر : 
الاجتماع في الندوة، بناء على ايعاز جاء من إذاعة الكلية، التي لاتذيع  اي تعليمات إلا بناء على أمر الضابط القائد، الطلاب يتجمعون، خطواتهم مترددة أحيانًا، والهمسات تتوقف قليلاً، شعور غريب يلمح في الهواء، لكن لا أحد يعرف أن هذا التجمع العادي سيصبح لحظة كابوسية لا تُنسى...
النقيب الذي كان يتفقد القاعات قبل قليل، كان يعلم، بطريقة غامضة، أن ما سيأتي سيحمل الكارثة، دقائق قليلة، لم تزد عن عشرة بعد السابعة والنصف هي من كانت، تفصل بين الترقب والصدمة، وهذا ما جعله يدقق على وجود اللوحات الاسمية على صدور طلاب ضباط الكلية الحربية، ربما لأنه كان يعلم أن ماسيحدث سيؤدي إلى تشوه الطلاب الذين كانوا على موعد مع القدر ؟!.
  
حين دخل الطلاب الندوة، كان المكان مكتظًا، التلفاز يعمل في زاوية، أصوات التعليمات تتداخل مع أصوات الطلاب، وفجأة وبعد دخول النقيب المجرم مع بعض المسلحين المجهولين من قبل الطلاب المجتمعين، انفجر الرصاص والقنابل اليدوية، فصارت الصرخات تتساقط، والجثث تمتد على الأرض، والوجوه الشابة تتوقف عند حدود الحياة والموت، والدماء تنساب على الأرضيات، الجدران تحمل أثر الانفجارات، والصرخات تتردد في أرجاء القاعة، صدى الرعب لا ينقطع...
زميلي أحمد زهيرة رحمه الله حاول رد قنبلة يدوية إلى مصدرها، لكن الانفجار كان أقوى من أي قدرة على السيطرة، ارتطمت القنبلة في وجهه، وانقشعت فروة رأسه على سقف القاعة، وعيناه كانتا مليئتين بالصدمة والوجع، ليصبح رمزًا للضحايا الأبرياء الذين لم يكن لهم ذنب سوى وجودهم في المكان الخطأ...
ثلاث وثلاثون شهيدًا، أكثر من خمسين جريحًا، ومشهد واحد مشحون بالصدمة والرعب، لكن ما حدث لم يكن مجرد حادث أمني فقط...
 فمنذ ماسمي بحركة ٢٣ شباط ١٩٦٦ والتي سميت بثقافة تلك المرحلة الحركة التصحيحية الاولى التي اعقبتها وحددت وجهتها وهويتها وأهدافها الحركة التصحيحية في ١٦ تشرين الثاني من عام ١٩٧٠، ومن وقتها بدأ الجيش يسير تدريجيًا نحو ولاءات سياسية وشخصية على حساب الكفاءة، والانتماء إلى دائرة الثقة صار معيارًا أعلى من الاحتراف...

 هذه اللحظة المروعة منحت السلطة الشرعية الكاملة لترسيخ الولاء وتحويل الشك إلى عقيدة دائمة، والانتماء الاجتماعي أو الطائفي إلى مؤشر خطر...
بعد الدماء، أعيد ترتيب مفاصل القوة داخل الجيش، وعززت تشكيلات الولاء المباشر للعائلة، وتحولت المؤسسة العسكرية إلى أداة لإسكات كل صوت معارض،  الطليعة المقاتلة التي تفاخرت بتبنيها الجريمة، وسواء هي أدركت أو لم تدرك، قدمت للنظام أعظم هدية سياسية وهي :
 ذريعة لتكريس الحكم الفردي وتحويل الجيش إلى ضمانة للسلطة المطلقة...

الليلة انتهت، لكن أثرها لم ينتهِ، فدماء الطلاب، مثل أحمد زهيرة، صارت رمزًا للخطأ والظلم، ولحظة صادمة مكنت الدولة من الانتقال من التحكّم إلى التحصين، ومن الدولة الأمنية إلى الدولة الأمنية المطلقة، أخطاء الفاعلين الصغار اجتمعت مع طموحات المستبدين الكبرى، ليبقى الوطن يدفع الثمن منذ ذلك الحين، ثمن لم يُغلق بعد، وربما لن يُغلق إلا بعد عقود من الصمت والخوف.