
صرخة الفرح:
الدم العربي والعدالة المفقودة.
عشنا عقودًا طويلة من مرارة الهزائم، وشهدنا مدننا تتهاوى تحت نيران الاحتلال والخيانات، وتجرعنا مآسي لم يعرفها إلا من حمل همّ أرضه ودماء شعبه، من 1948 إلى 1967، ومن صبرا وشاتيلا إلى غزة ودمشق المحاصرة، كنا نرى الظلم أمام أعيننا بلا حول ولا قوة، ونتألم بلا صوت، نراقب الدم يسكب ولا نستطيع أن نحمي من نحب...
واليوم، حين تهتز أركان الكيان الغاصب حين تنهار أوهامه أمام الحقيقة، ينبض قلبنا بفرح قد يراه الآخرون "غير مشروع"، لكنه فطري حين يرى المظلوم ظالمه يئن، وحين تدمع أعين من أزهقوا دماؤهم بلا عدالة طوال عقود، هذه اللحظة ليست انتقامًا، بل لحظة تعويض عن أعراس لم تُحتفل، وعن انتصارات تحولت إلى حكايات ترويها الدموع...
نحن الذين تجرعنا مرارة الهزائم لعقود، نبتتهج اليوم لكل صدمة تهز أركان ذلك الكيان الغاصب، نبتتهج حين نرى دموع من أذاقونا الويلات، ونفرح حين تهبنا الظروف "ساعة فرح مجانية"، تعويضًا عن أعراسنا التي وئدت منذ مأساة سايكس بيكو وحتى يومنا هذا. لقد حرمنا من مظاهر النصر التي تدمع لها العيون، ومن زغاريد نساء لم يجدن منذ دهور سببًا للابتهاج...
ومع ذلك، هناك فرحة تتجاوز كل فرح آخر، حين يكون الألم الذي يطال "الآخر" ثمرة فعل عربي، دم عربي، هنا تنبثق العدالة الرمزية، فكم فرحنا لما قصف الجيش العراقي الباسل في ظل الراحل صدام حسين الكيان بصواريخ من العراق، وكم طرنا فرحا في الأيام الاوائل لحرب تشرين حيث امتزج الدم العربي في بطاح سيناء وربوع الجولان. دم عربي، قصف عربي، هو حقنا وكرامتنا، وهو اللحظة التي تعيد لنا نبض الكرامة المفقودة، وتثبت أن العدالة التاريخية، ولو جاءت متأخرة، قادرة على إحياء الأمل...
نعم نبتتهج لكل ضربة تؤلم من استباحوا دماء العرب في قبية ونحالن وكفر قاسم وديـر ياسين، ومن نشروا الموت في صبرا وشاتيلا وغزة المكلومة، من حقنا أن ننتشي ونحن نسمع أنين من تجردوا من الإنسانية، أولئك الذين يتألمون اليوم كما ألمّوا بنا طويلًا...
فهم لا يزالو يطلقوا التهديدات بينما الحقائق تصفع وجوههم، مذهولين مما يجري؛ فقد ظنوا أن استسلامنا جعلنا مجرد أرقام، ولكن اليوم نقول لهم: "أتاك يا بلوط من يعرفك"، لذا تراهم يحاولون إخفاء خسائرهم بكل وسيلة؛ كل ما يصيبهم يدّعون أنه سقط في "مناطق مفتوحة"، وما يظهر من دمار يصفونه بأنه "مجرد حفرة" أو "بضع سيارات"، وإن هلك أحدهم قالوا: "مات من التدافع"! إنهم يقرون بجبنهم كي لا يعترفوا بوجعهم...
عموماً:
الصورة ليست كاملة إذا تجاهلنا حقيقة مؤلمة، فإيران أشد حقدا وكرها للعروبة والعرب من الإسرائيليين أنفسهم وان ما يدور من صراع بين كلا الكيان ليس إلا تضارب مصالح بينية، وما فلسطين ومحور المقاومة الا بدعة تحاكي الخرافة التي بنت ماسميت يومابـ (الثورة الإسلامية الإيرانية)، أسس كيانها التوسعية عليها، أما لجهة العداء للعرب والعروبة فهما في كفتي ميزان متوازنتان اي بنفس المكان، فإيران ليست مجرد لاعب خارجي، بل خصم استراتيجي للعرب، معادتها للعروبة عميقة وجذرية، بينما مصالحها العابرة تشوش على أي محاولة للفهم، لكن العدوان على العرب ثابت ومحدد، كما هو واضح في سياستها الإقليمية...
لكن هذا لايعني منع الناس من ان يبتتهجوا؛ فالفرح بكسر شوكة الظلم لن يغير هوية الناس أو عقائدها، بل هو فطرة المظلوم حين يرى ظالمه يئن. نحن قادمون بعزة الله، وسنري العالم من نحن حين يأذن القهار...
لا يسعنا الإيضاح أكثر، فالقلب مليء، والدنيا قد انقلبت حتى صار الحق باطلاً والباطل حقًا، وفي فمنا ماء وتحت لساننا بحصة لا تبقى، والله المستعان.