
سرقة الضوء:
لم نكن خمسة غرباء اجتمعوا صدفة، كنا خمسة أعمارٍ اجتمعت على حافة حلمٍ واحد...
كنتُ أكبرهم سنًا، وآخر قريب مني في العمر والفكر وهو كاتبٌ أنهكته الصحافة، وأتعبه الركض خلف الحقيقة في طرقٍ مليئة بالغبار والوعود الكاذبة...
كنا مع رجلين آخرين في مقتبل العمر، يحملان في صدريهما نار التغيير، وفي عيونهما قلق البدايات...
وشابٌ يافع، ما زال يظن أن العالم يستجيب لمن يطرق بابه ببراءة...
خمسة أيام فقط كانت كافية لنشعر أننا أنجزنا مارأيناه معجزة صغيرة :
موقعٌ إخباري يولد من لا شيء، بلا رأس مال، بلا رعاة، بلا ظهرٍسياسي أو اقتصادي، فقط قلوب تؤمن أن الكلمة الحرة ما زالت قادرة على التنفّس...
كنا نكتب بصدق،نبحث عن صورة في Google، نلتقطها كما يلتقط الفقير قبس نور من نافذة مفتوحة،
ونضعها إلى جانب عصارة الفكر التي أرهقت أصابعنا وسهرت عيوننا...
لم نكن نعرف أننا – في عرف سادة الفضاء الرقمي – لصوص...
في اليوم السادس وهو اليوم، جاءنا الإنذار باردًا، رسميًا، خاليًا من أي إنسانية:
- ( لن نمنحكم صورًا بعد الآن.
أنتم تنتهكون الملكية، ليس هذا فقط بل يمكننا إغلاق موقعكم إن لم تستجيبوا )...
ارتبكنا...
سألنا :
- ما الطريق؟
فكان الجواب :
-ادفعوا...
ادفعوا كي نسمح لكم بالصورة،
وادفعوا أكثر كي يُسمح لكم أن تُشاهَدوا، وادفعوا العمر كلّه كي تحصلوا على فتات إعلان قد يأتي، أو لا يأتي...
حينها فهمنا اللعبة متأخرين، لم يكونوا جهلاء ببراءتنا، لكنهم انتظروا حتى نُطلق الموقع،
حتى نُعلن الحلم، حتى نتعلّق بالفكرة، ثم قالوا ببرود المنتصر :
- جهدكم لا يساوي شيئًا...
- نحن من نتحكم بالخوارزميات، نحن من نقرر من يُرى ومن يُدفن في الظل...
كانوا يتحدثون عن الخوارزميات كما لو أنها قدرٌ سماوي، بينما هي في الحقيقة سلاسل جديدة، مطلية بلون الحداثة...
في تلك اللحظة، عاد صوتي القديم يطرق رأسي بعناد وصرت أردد عبارة لطالما قلتها في أوقات البؤس واليأس :
( لو كان في الأرض عدل، لما كان هناك حساب في السماء )
لم نغضب فقط لأنهم منعونا من الصور، غضبنا لأنهم صادروا المعنى، صادروا الفكرة، جعلوا من الإبداع إذن دخول،ومن الحقيقة اشتراكًا مدفوعًا، ومن التعب البشري رقمًا في فاتورة...
إلا أننا لم نغلق الموقع، ولم ننحنِ، بل قررنا أن نغيّر طريقتنا لا قناعتنا، وقررنا أن نبحث عن الصور الحرة، نرسم أحيانًا صورنا بأيدينا، نحوّل الفقر إلى أسلوب، والحصار إلى هوية...
نكتب ونحن نعلم أن الطريق غير عادل، لكننا نكتب لأن الصمت أشد ظلمًا من الخوارزميات، وتعلّمنا أن اللص الحقيقي ليس من يأخذ صورة بلا إذن، بل من يأخذ العالم كلّه ويبيع لك حق النظر إليه.
ومنذ اليوم، قررنا أن نوقّع مقالاتنا بجملة واحدة :
( نكتب لأن العدل لم ينزل بعد إلى الأرض).