--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

سوريا بعد العقوبات: الاقتصاد العالق بين الانفتاح والارتياب

Salah Kirata • ٢٨‏/٥‏/٢٠٢٦

39414.jpg

سوريا بعد العقوبات: الاقتصاد العالق بين الانفتاح والارتياب

لم تعد الأزمة السورية تختصر بالعقوبات وحدها، كما لم يعد رفع بعضها كافياً لإقناع العالم بأن البلاد استعادت قدرتها على الاندماج الطبيعي في الاقتصاد الدولي. فالمشكلة التي تكشفت تدريجياً بعد تخفيف القيود الغربية ليست فقط في القوانين الأميركية التي أثقلت كاهل دمشق لعقود، بل في البنية الاقتصادية والإدارية التي لم تتهيأ بعد للتعامل مع عالم المال والاستثمار وفق قواعده الحديثة.

صحيح أن إسقاط قانون “قيصر” شكّل تحولاً مهماً في المشهد السياسي والاقتصادي، وأزال واحداً من أكثر أدوات الضغط الأميركية قسوة، إلا أن ذلك لم يعنِ نهاية منظومة العقوبات بأكملها. فما زالت سوريا تعيش تحت تأثير تصنيفات وقوانين وإجراءات تجعل المصارف العالمية وشركات التأمين والمؤسسات المالية تتعامل معها باعتبارها بيئة عالية المخاطر. وبين النصوص القانونية الأميركية والقلق العملي للمؤسسات المالية، تبقى الهوة واسعة بين الإعلان السياسي والتنفيذ الاقتصادي.

في الظاهر، تبدو الطريق مفتوحة أمام الاستثمارات العربية والأجنبية. مذكرات تفاهم بمليارات الدولارات، وحديث متزايد عن مشاريع في الطاقة والبنية التحتية والعقارات والموانئ. لكن في العمق، لا يستطيع المستثمر أن يتحرك بجدية من دون منظومة مصرفية موثوقة وقنوات تمويل مستقرة. فلا شركة كبرى يمكنها ضخ أموالها في سوق لا تزال التحويلات إليه تخضع لتدقيق شديد، ولا مصرف دولياً يغامر بعلاقاته مع النظام المالي العالمي من أجل سوق لم تثبت بعد قدرتها على الامتثال الكامل للمعايير الدولية.

وهنا تتجلى المعضلة السورية الحقيقية: العقوبات لم تعد الجدار الوحيد، بل إن أزمة الثقة أصبحت أكثر تعقيداً من النصوص القانونية نفسها. فالعالم المالي لا يتحرك بالعواطف السياسية، بل بالحسابات الباردة المرتبطة بالشفافية والحوكمة والامتثال ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وهذه معايير لم يعد ممكناً الالتفاف عليها بالشعارات أو الخطابات.

من هنا يمكن فهم الاهتمام المتزايد بإعادة هيكلة القطاع المصرفي السوري، ومحاولة إدخاله تدريجياً ضمن المعايير العالمية المعروفة في أنظمة “بازل” ومتطلبات مجموعة العمل المالي الدولية. فإصلاح البنوك لم يعد ترفاً إدارياً، بل شرطاً لعودة سوريا إلى الدورة الاقتصادية الطبيعية. كما أن الحديث عن شراكات مصرفية عربية، أو اندماجات بين بنوك محلية، يعكس إدراكاً متأخراً بأن المؤسسات المالية السورية بصيغتها التقليدية لم تعد قادرة على العمل ضمن البيئة الجديدة.

لكن التحدي لا يقتصر على الاقتصاد وحده. فالمشهد السياسي الداخلي يبدو بدوره أمام اختبار صعب. البرلمان المقبل، الذي ينتظر مئات مشاريع القوانين والتعديلات، سيكون أمام مهمة تأسيسية لا إجرائية فقط. إذ إن البلاد لا تحتاج إلى تحديث قوانين الاستثمار والمصارف فحسب، بل إلى إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والاقتصاد والمجتمع معاً.

المشكلة أن أي سلطة تشريعية تحتاج إلى كفاءات قانونية وخبرات دستورية واقتصادية قادرة على إنتاج تشريعات حديثة، لا مجرد تمثيل شكلي للشرائح الاجتماعية والسياسية. وفي بلد متعدد البنى الدينية والإثنية والاجتماعية، تبدو معادلة التمثيل أكثر تعقيداً من مجرد توزيع مقاعد. فالسؤال الحقيقي ليس كم عدد الأسماء التي ستدخل البرلمان، بل أي نوع من الدولة يريد السوريون بناءه بعد سنوات الانهيار الطويلة.

وفي المقابل، يبدو أن السلطة السورية تحاول الموازنة بين الانفتاح الاقتصادي والحذر السياسي. فهي لا تريد الذهاب بعيداً في الخصخصة خشية الصدام مع الإرث الاقتصادي للدولة، ولا تريد في الوقت نفسه البقاء أسيرة نموذج اقتصادي أثبت عجزه عن مواكبة المتغيرات. لذلك يبرز خيار “التشاركية” كحل وسط، يسمح بجذب رأس المال من دون التفريط الكامل بمؤسسات الدولة.

غير أن نجاح هذا الخيار يبقى مرهوناً بوجود بيئة مستقرة وقضاء مستقل وإدارة حديثة وقوانين واضحة. فالاستثمار لا يبحث فقط عن الأرباح، بل عن الأمان القانوني والسياسي. وهذه النقطة تحديداً ما تزال تشكل الحلقة الأضعف في المشهد السوري.

إن ما يحدث اليوم في سوريا هو انتقال بطيء من مرحلة الحصار إلى مرحلة الاختبار. اختبار لقدرة الدولة على إصلاح مؤسساتها، ولقدرة الاقتصاد على استعادة الثقة، ولقدرة السياسة على إنتاج صيغة أكثر توازناً وتمثيلاً. فرفع العقوبات قد يفتح الباب، لكنه لا يضمن العبور.

وربما تكمن الحقيقة الأهم في أن سوريا لم تعد تحتاج فقط إلى نهاية العقوبات، بل إلى بداية مختلفة بالكامل؛ بداية تقوم على دولة مؤسسات لا دولة استثناءات، وعلى اقتصاد إنتاجي لا اقتصاد نجاة مؤقتة، وعلى شراكة وطنية حقيقية لا مجرد تسويات ظرفية. عندها فقط يمكن الحديث عن عودة فعلية إلى العالم، لا مجرد تخفيف للعزلة.