.

سورية على مفترق الحوكمة: السلطة الانتقالية ومسارات الخطر.
تمر سورية اليوم، في ظل الحكومة الانتقالية، بمرحلة دقيقة وحساسة، تتطلب حكمة وموضوعية في إدارة الدولة، وحذرًا شديدًا في تبني السياسات التي تمس حياة المواطنين وحقوقهم. فقد جاءت السلطة الحالية بعد سنوات طويلة من الصراعات والأزمات التي أضعفت المؤسسات، وتركت آثارًا اجتماعية واقتصادية عميقة، وكان السوريون على أمل كبير بأن تمثل الحكومة الانتقالية مرحلة جديدة لإعادة بناء الدولة وإرساء مؤسسات قوية، قادرة على حماية حقوق الجميع وإعادة الثقة بالمجتمع والدولة.
لقد تابع السوريون بجدية تصريحات المسؤولين، وعلى رأسهم السيد الرئيس أحمد الشرع، ووزراؤه، الذين أعلنوا عن مجموعة من المبادرات والخطط التي تهدف إلى تحسين حياة المواطنين، وتعزيز الأمن والاستقرار، وإعادة الإعمار. كان لهذه التصريحات وقع إيجابي، واعتبرناها مؤشرًا على جدية الحكومة في الوفاء بالتزاماتها الدستورية والأخلاقية تجاه الشعب. كذلك، يجب الاعتراف بأن الحكومة الانتقالية أظهرت استعدادًا لتحمل مسؤولية الأخطاء التي ارتكبتها الجهات السابقة، وشكلت لجانًا لتقصي الحقائق وتعهدت بمحاسبة المسؤولين عنها، وهو مؤشر إيجابي يعكس احترامها لمبدأ المساءلة والشفافية، الذي يعد من ركائز بناء الدولة الحديثة.
لكن، مع ذلك، لا يمكن تجاهل ما يشهده الواقع على مستوى بعض المحافظات، وخصوصًا العاصمة دمشق، حيث صدرت قرارات وإجراءات توحي بانحراف بعض المسؤولين عن الإطار الدستوري والقانوني، واعتمادهم على منطق القوة وسلطة الأمر الواقع بدلًا من المشروعية القانونية ومصلحة المواطنين. ومن أبرز هذه القرارات، ما يتعلق بحظر بيع المشروبات الروحية، الذي لا يمكن النظر إليه كإجراء إداري معزول، بل هو مؤشر على توجهات أوسع، تتعلق بمحاولات فرض سياسات تحد من الحريات الفردية والاجتماعية.
إن الاعتماد على المحسوبيات والولاءات في تعيين المسؤولين وإدارة المؤسسات العامة، بدلًا من الكفاءة والخبرة، يمثل خطرًا كبيرًا على الدولة ومؤسساتها. هذا النهج ليس جديدًا في التجارب التاريخية؛ فالاعتماد على الولاءات بدل الكفاءة يؤدي غالبًا إلى ضعف المؤسسات، وإرباك السياسات العامة، وإطالة أمد الأزمات، بل قد يفتح الباب أمام سياسات متطرفة تصل إلى حد التدخل في نمط الحياة، اللباس، الاختلاط، وحتى السلوكيات اليومية للمواطنين، تحت مسميات متعددة مثل "الحشمة" أو "الأخلاق العامة".
إن هذه السياسات المتطرفة، التي قد تبدو في البداية محدودة، تحمل في طياتها خطرًا على التنوع الاجتماعي وعلى التوازن المجتمعي الذي نسعى لإحيائه بعد سنوات من الانقسامات والصراعات. وتجارب دول عديدة، سواء في الإقليم أو خارجه، تثبت أن فرض الرؤى المتشددة بالقوة، مهما توفرت له أدوات السيطرة، ينتهي دائمًا بكوارث سياسية واجتماعية، وانهيار للثقة بين الدولة والمواطنين، وفقدان الشرعية.
السوريون أسقطوا نظامًا متوحشًا كانت أدواته البطش والقهر، وقد جاء وصول الحكومة الانتقالية بعد هذه الثورة التاريخية، ليشكل فرصة حقيقية لإعادة بناء سورية على أسس من العدالة والحرية والمساواة. وهذا يتطلب من السلطة الانتقالية أن تضع مصلحة المواطنين في المقام الأول، وأن تسعى إلى إعادة الإعمار، وتوفير فرص العمل، وتهيئة الظروف لعودة اللاجئين، وتعزيز الاستثمار، وتقوية موقع سورية على الصعيد الإقليمي والدولي. هذه هي المهمة الأساسية للحكومة، والتي تحتاج إلى التزام صارم بالشفافية، وبالقوانين، وبمبادئ الإعلان الدستوري، بعيدًا عن الانحرافات الفردية أو الرؤى المتطرفة.
وفي المقابل، فإن أي سياسات تحاول تقييد الحريات العامة، أو تفرض أنماطًا اجتماعية محددة، أو تصادر التنوع المجتمعي، ستؤدي حتمًا إلى نتائج عكسية. مثل هذه السياسات لا تهدد فقط الحريات الفردية، بل تهدد أيضًا الشرعية العامة للحكومة، وتزيد من الانقسام داخل المجتمع، وتفتح الباب أمام الاحتجاجات والفوضى السياسية، وهو ما لا تتحمله سورية في هذه المرحلة الدقيقة.
لقد أثبت التاريخ السوري والإقليمي أن أي انحراف عن مسار القانون والدستور يؤدي إلى فقدان الثقة بالمؤسسات، ويجعل المجتمع عرضة للانقسامات والصراعات الداخلية. والسلطة الانتقالية، التي جاءت لتحقيق طموحات السوريين في الحرية والكرامة، ملزمة اليوم بأن تتعلم من تجارب الماضي، وأن تتجنب الوقوع في نفس الأخطاء التي أدت إلى انهيار نظم في دول أخرى، وأدت إلى تدمير المجتمع والدولة معًا.
لذلك، فإن دعمنا للحكومة الانتقالية مشروط بقدرتها على إدارة الدولة بكفاءة وموضوعية، وبتركيزها على مصالح المواطنين، وحماية مكتسباتهم، وإعادة بناء مؤسسات قوية تحترم القانون والدستور، وتعزز التنوع الاجتماعي. وفي الوقت نفسه، لن نتردد في معارضة أي مسار يسعى لتقييد الحريات العامة، أو فرض رؤى متطرفة، أو إعادة إنتاج الانقسامات القديمة، لأن في ذلك تهديدًا مباشرًا للدولة وللمجتمع بأسره.
في نهاية المطاف، السوريون بحاجة إلى قيادة واعية، تتحلى بالحكمة والاعتدال، وتستند إلى القانون والدستور، بعيدًا عن التجارب المتطرفة التي شهدها العالم، وقادرة على إعادة بناء الدولة والمجتمع على أسس سليمة ومستدامة. أي انحراف عن هذا المسار لن يؤدي إلا إلى مزيد من التوترات، وزعزعة الاستقرار، وتهديد المكتسبات الوطنية، في حين أن الالتزام بالحكمة والمسؤولية والاعتدال يضمن مستقبل سورية وأمنها واستقرارها.