--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

سورية الجديدة... من الاصطفاف إلى هندسة التوازن

Salah Kirata • ٢٤‏/٥‏/٢٠٢٦

38164.png

سورية الجديدة...
 من الاصطفاف إلى هندسة التوازن:
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية ...

بداية اريد وقبل الخوض فيما أريد قوله في المثالي أن أؤكد على أن :

( سورية لا تُقرأ السياسة من الكتب وحدها) …
بل:
- من الذاكرة...
- من أصوات البيانات العسكرية...
-  ومن نشرات الأخبار التي كانت تبدأ بانتصار وتنتهي بتبرير...
- ومن صور المدن التي تغيّرت أكثر مما تغيّر سكانها، ومن ذلك الشعور الذي عرفه السوريون جميعاً عندما اكتشفوا أن الدولة التي بدت ثابتة لعقود يمكن أن تهتز في سنوات قليلة...
ولهذا:
 ربما يكون الخطأ الأكبر اليوم أن نتصرف وكأن ما حدث في سورية خلال عقد ونصف من زمن مضى كان مجرد أزمة داخلية، أو مجرد مؤامرة خارجية، أو مجرد لحظة انفجار اجتماعي...

ياسادة :
سورية دفعت ثمناً باهظا، وكلفة تفوق كل الكلف التي عاناه سواها ممن شملتهم نظرية (الشرق الأوسط الجديد) بلبوس ( الربيع العربي) وبغطاءات داخلية منهما ماهو موجود فعلا وقد جرى تضخيمه والعزف عليه، ومنها ما اختلق وقد بدأت خلاياه تتكشف تبعا لشفافية العدالة الانتقالية حيث تجرأت الدولة أن تبث على الهواء محاكمات من كان قد تحميله وزر تدمير سورية ليثبت كما شاهدنا أننا لم نكن إلا أمام شائعة ألهبت النفوس وصادرت العقول وايقظت الفتن كلها دفعة واحدة واطلقت العنان غرائزيا لكل ما هو رخيص وعفن في تاريخ سورية والمنطقة...

"وكل هذا كان لأن الداخل لم يكن معزولاً عن الخارج، ولأن الجغرافيا السورية لم تكن يوماً جغرافيا عادية".

على أرض سورية تقاطعت مشاريع، وتصارعت أولويات، وتبدّلت تحالفات، ودخل لاعبون بأسماء مختلفة وشعارات مختلفة، لكن النتيجة كانت واحدة: 

           " دولة استُنزفت ومجتمع أُنهك".

ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس:     - كيف يعود النظام إلى الدولة؟..
- ولا كيف ينتصر الخصوم؟
بل:
- كيف تعود الدولة دون أن تعود أسباب الانهيار معها؟..
للعلم:
إن الدول الخارجة من الحروب ترتكب خطأً قاتلاً عندما تخلط بين استعادة القرار واستعراض القوة.
- فالدولة ليست معنية بأن ترفع صوتها أكثر… 
بل:
-أن تصبح أقل حاجة إلى رفعه...

وسورية تحديداً لا تحتمل هذا الخطأ مرة أخرى، فبلدٌ يعاني من ثقل التاريخ وحساسية الجغرافيا لا يملك ترف الاصطفاف الحاد، ولا رفاهية تحويل نفسه إلى رأس حربة لمحور أو ساحة لمحور مضاد...
لذا فإن التجربة القاسية التي مرت بها سورية يفترض أن تكون قد علمتنا أن :
- التوازن هنا ليس حياداً…
بل:
 شكلٌ أعلى من السيادة...
وهذا مالم تعيه إدارة البلاد السابقة، عندما واجهت مؤامرة لم يكن لها أدنى فكرة عن إمكانياتها، وبالتالي لم تحسب هي اي إدارة البلد إمكانياتها وقدرتها على التصدي لاسيما وهذا ما كنت قد قلته مرات ومرات محذرا وهو :
" الخشية أن ما نراه تماسكا شعبيا، يظهر على شكل وحدة وطنية، أن يظهر وأقصد الشعب أنه كان ممسوكا، إذا ما تراخت القبضة الأمنية وتراجعت حتى الاضمحلال هيبة الدولة"...

وكذا يفترض أن تكون تجربتنا القاسية قد علمتنا انه:
- لا بد أن تكون قادراً على أن تربح من الجميع دون أن تتحول إلى تابع لأحد...
- وأن تبني علاقات خارجية تقوم على المصالح، مع إدراك أن المصالح نفسها لا تُدار بالأمنيات، بل بموازين القوة، والقدرة على التفاوض، والصبر الاستراتيجي...

لكن التوازن الذي نتحدث عنه ليس قراراً يُعلن، ولا شعاراً يُرفع، بل قدرة تُبنى...
فالدول لا تصبح متوازنة لأنها تريد ذلك، بل لأنها تملك ما يجعل الآخرين مضطرين لأخذ مصالحها بالحسبان، وهنا تحديداً يبدأ الاختبار السوري الأصعب:
فبعد سنوات طويلة من الحرب، لم يعد السؤال:
- من بقي؟..
بل:
 ماذا بقي؟..
- فقد بقيت دولة تحتاج إلى إعادة تعريف علاقتها بمجتمعها...
- وبقي مجتمع يحمل ذاكرة أثقل من أن تُمحى بخطاب، وأعمق من أن تُختزل بانتصار طرف أو سقوط طرف آخر...
فالحروب الأهلية لا تنتهي عندما يصمت صوت المدافع، ويتوقف هدير محركات المدرعات وفوقها أسراب الطائرات؛ بل عندما يتوقف الناس عن العيش داخل أدوات القتل هذه التي لم تصنع يوما لأن يقتل أبناء شعب واحد بعضهم البعض به، بعد أن مرت عليهم شائعة كانت بمثابة التمهيد الناري الذي يسبق اي معركة، فشائعة ( اطفال درعا وعاطف نجيب ) هي من كانت التمهيد الذي سبق الشرق الأوسط الجديد الذي حل كنقمة بساحة...
ماقلته اعلاه:
لا يتحقق بمجرد عودة الخدمات أو فتح الطرق أو تحسن المؤشرات الاقتصادية، بل عندما يشعر المواطن أن الدولة لم تعد طرفاً في المعادلة، بل أصبحت إطاراً جامعاً لها...
ولهذا:
 فإن أي مشروع لسورية الجديدة لا يمكن أن يقوم على فكرة الغلبة ( لأن الغلبة قد تصنع سلطة)، لكنها لا تصنع استقراراً...
كون:
- الاستقرار الحقيقي لا يأتي من إسكات الاختلاف، بل من تنظيمه...
- ولا يأتي من إلغاء التعدد، بل من إدارة التعدد تحت سقف واحد. .
- وقد يكون هذا هو الدرس الأقسى الذي دفع السوريون ثمنه خلال السنوات الماضية...

فالمنطقة التي دخلت سورية بوصفها ساحة تصفية حسابات لم تكن تتحرك بدافع العواطف ولا العقائد وحدها؛ بل كانت تتحرك أيضاً بمنطق الأمن، والممرات، والأسواق، والطاقة، وموازين النفوذ...
ولهذا:
 فإن بناء سياسة سورية جديدة لا يجب أن ينطلق من سؤال:

- من كان معنا ومن كان ضدنا؟..
بل:
- من سؤال أكثر برودة وأكثر نفعاً وهو من يستطيع أن يشارك في استقرار سورية دون أن يصبح شريكاً في قرارها؟..

عموماً:
فإن هذه المعادلة ليست سهلة...
فالدول الكبرى والإقليمية لا تستثمر في الفراغ، ولا تقدم دعماً بلا مقابل...
والتاريخ الحديث مليء بدول دخلت مرحلة إعادة البناء لتكتشف أنها استبدلت حرباً عسكرية بأشكال أخرى من الارتهان السياسي أو الاقتصادي، وهذا ما احذر منها الحكومة السورية التي نشأ وشب معظم مفاصلها الرئيسية في السجون ومن ثم ساحات القتال وفق فكر تنظيم (القاعدة)، ووفق ثقافة جهادية...

ومن هناتصبح العلاقات الخارجية أداة لتعزيز الداخل، لا بديلاً عنه...
لذا:
- فإن العلاقة مع المحيط العربي ليست هدفاً بحد ذاته...
- والانفتاح الإقليمي ليس شهادة حسن سلوك...
- والتفاهمات الدولية ليست ضمانة دائمة...

            "كلها لاتعدو أن تكون أدوات"...

أما الضمانة الوحيدة فهي دولة قادرة على إنتاج الشرعية من الأداء، والاقتصاد من العمل، والثقة من القانون...

ولعل التحدي الأكبر أمام سورية ليس إعادة بناء ما تهدّم من حجر، بل إعادة بناء فكرة الدولة نفسها...

- الدولة التي لا تُختصر بشخص....
- ولا تُدار بمنطق الطوارئ الدائمة...
- ولا تُختزل بمفهوم المنتصر والمهزوم...

لأن الدول التي تعيش على الانتصارات المؤقتة تبقى خائفة...
أما الدول التي تبني مؤسساتها فتصبح أقل حاجة لإثبات قوتها...
وفي هذا كله تبقى الجغرافيا السورية حقيقة لا يمكن الهروب منها وهي:

"هذا البلد لم يختر أن يكون في قلب المشرق، ولا أن يكون معبراً وحدّاً وملتقى طرق ومصالح"...

لكن يمكنه أن يختار كيف يدير ذلك...
- من أن يبقى ساحة…
أو:
- يتحول إلى عقدة وصل...
- أن يبقى مكاناً يتنافس الآخرون عليه…
- أو يصبح مكاناً يتنافس الآخرون للوصول إليه...
وهنا:
 ربما يكون المعنى الأعمق لسورية الجديدة:
- ليس أن تعود إلى ما كانت عليه…
- بل أن تتجنب العودة إلى الأسباب التي أوصلتها إلى ما حدث.

وفي النهاية:

الدول لا تنهض لأن التاريخ منحها فرصة جديدة، بل لأنها امتلكت شجاعة أن تتعلم من تاريخها دون أن تصبح أسيرته...
وسورية، التي دفعت أثماناً أكبر من أن تُنسى، تحتاج اليوم إلى عقل يبني أكثر مما يُدين، ويحسب أكثر مما يردّ، ويوازن أكثر مما يصطف...

فبعد كل ما حدث:
قد لا يكون أعظم انتصار هو أن تربح معركة جديدة طبعا اذا افترضنا أن ماتعيشه سورية حاليا هو انتصار في معركة وهو ليس كذلك بشرعتي، بل أن تجعل المعارك القادمة أقل ضرورة.