--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

سورية اليوم: بين الخراب واليأس، شعبٌ بين أوهام العالم والقسوة الحقيقية

Salah Kirata • ٢٦‏/٢‏/٢٠٢٦


580.jpg
سورية اليوم: بين الخراب واليأس، شعبٌ بين أوهام العالم والقسوة الحقيقية...

في الشوارع المدمرة، حيث تهاوت البيوت، وانهارت المدارس، وامتلأت الأسواق بالفراغ، يبدو الشعب السوري كمن يمشي في حلم مزيف، حلم لا يطعمه خبزًا ولا يمنحه ماءً، بل يغرقه في صور وأوهام، فالثورة التي حلم بها البعض، لم تكن سوى فخ معد دوليًا، لعبة كبرى صممت لتحويل السوريين إلى شعب ضعيف، مطيع، فاقد القدرة على التفكير، بلا كرامة، بلا أفق، مجرد أداة في يد الآخرين...

تركيا لم تكن مجرد متفرج، بل ضالعة في إبقاء سورية ضعيفة، فمصالحها واضحة، دولة قوية ومستقلة ستنافسها اقتصاديًا وسياسيًا، لذلك يجب إبقاء سورية أرضًا محتلة بالوهم، شعبًا مقسومًا، عاجزًا عن تنظيم نفسه، عاجزًا عن حماية أرضه أو دوره في المنطقة، وإسرائيل كذلك لا ترغب في مواجهة شعب قوي، شعب يمتلك جيشًا وحلفاء قادرين على فرض احترامه، كما كان الحال في عهد حافظ الأسد، فكل القوى التي صنعت الثورة السورية لم تفعل ذلك لخدمة الشعب، بل لخدمة مصالحها، بينما أصبح السوريون رهينة مشروع أكبر لإفقارهم وإذلالهم وإبقائهم تحت سيطرة الآخرين...

الخطأ الكبير الذي وقع فيه كثيرون هو الاعتقاد أن المشكلة كانت في حزب، أو في رئيس، أو في الانتماءات الطائفية، الحقيقة أعمق من ذلك، فالمشكلة كانت في الدور التاريخي للشعب السوري نفسه، في دوره كمقاوم للهيمنة الغربية، كصمام أمان للعروبة والقومية العربية، كقوة قادرة على تعديل التوازنات الإقليمية، هذا الدور كان قد تم وضعه في أهم سياق تاريخي له، وعندما أدركت القوى الدولية أن سورية قوية ومستقلة، قرروا تفريغ الشعب من إرادته، تحويله إلى أداة ضعيفة، مطيعة، عاجزة عن الإبداع، غارقة في التناقضات الداخلية والنزاعات التي تفرقها...

في الأسواق، لا تُرى إلا الوجوه المرهقة، العيون التي فقدت الأمل، الأطفال الذين يركضون بحثًا عن لقمة خبز، النساء اللاتي يجمعن بقايا الطعام، الفقر والانحطاط الأخلاقي ينتشران بلا رادع النزاعات الدينية والطائفية تتحول إلى ساحة يومية للصراع، بينما الدولة عاجزة عن تقديم أبسط مقومات الحياة، الشباب هاجروا و يهاجرون، والنخب تهرب، الخبرات تتبدد، والبلاد تتحول إلى أرض فارغة، صيد سهل للاستغلال الدولي والإقليمي...

حتى الرموز التي حاولت الثورة تقديمها للجماهير كانت مجرد أوهام، شعارات فارغة، صور، خطابات تلهي الشعب عن الواقع، تكريس الدين والطائفة كحل سحري لمشكلات معيشية حقيقية لم يُطعم أحدًا، الخبز والزيت والقمح اختفوا، بينما استُبدل كل شيء بزجاجات عطر، بالصور السياسية، بالخطابات الرنانة، لتصبح الثورة مجرد مائدة رمزية، بلا طعام، مليئة بالرموز الفارغة، لا تُسمن ولا تُغني من جوع...

الدين، الصلاة، قراءة القرآن، كثرة المساجد، الطوائف، كلها لم تُطعِم أحدًا، الحرية الحقيقية لا تُمنح بالكلمات أو الشعارات أو التقرب إلى الرموز الدينية، بل بالقدرة على الإنتاج، بالإبداع، وبإرادة مقاومة تعيد للشعب دوره الحقيقي، بدون ذلك، يظل الشعب رهينة للقرارات الدولية، عاجزًا عن استعادة دوره، مهددًا بفقدان كرامته الإنسانية، يعيش بين الرموز والأوهام، لا يرى سوى أفق مظلم بلا أمل...
فالمؤامرة أكبر من أن تكون محلية، لأن هناك قرار دولي بإبقاء سورية في ضعف دائم، حرمانها من الاستقلال الاقتصادي والسياسي، ومنعها من استعادة مكانتها التاريخية. كل من دعم الثورة السورية لم يقدم أي مساعدة حقيقية، بل اكتفى بالمظاهر الرمزية، لتغرق سوريا في وهم القوة والتمكين، بينما الواقع يفرض الفقر، الانقسام، الانحطاط الأخلاقي والاجتماعي، والتقهقر المستمر...
النهاية الكارثية لهذا المسار واضحة، شعب مقسوم داخليًا، غارق في النزاعات الدينية والطائفية، تتناوب عليه القوى الخارجية والداخلية، يُستهلك فيه كل شيء إلا إرادته. الخبرات والنخب تهرب، البلاد تُفرغ من عقلها، والشعب يصبح مجرد أداة لتنفيذ أجندات خارجية، مجرد رقم في لعبة مصممة لإبقائه ضعيفًا، خائفًا، مدمرًا من الداخل. كل ذلك يعد تمهيدًا لمشاريع أكبر، وربما لمخططات توسع إسرائيلي مستقبلي، حين يتحول الشعب من أمة حية إلى جماعة عبيد عاجزين عن التغيير أو المقاومة...

اليوم، على السوريين أن يفهموا الحقيقة المرة، ان الحرية والكرامة لن تأتي بالمساجد، ولا بالخطابات الرنانة، ولا بالتظاهر وحده، ولا بالشعارات والطوائف. الحرية تأتي بالوعي الكامل، بالقدرة على الإنتاج، بالإبداع، واستعادة الدور التاريخي للشعب، لذا فإن أي استمرار في الأوهام سيجعل سورية أرضًا خاوية، شعبًا يتيه بين الرموز والدين والسياسة، مستهلكًا للأوهام بدل أن يكون صانعًا للتاريخ...

لذا لا بد منمواجهة الواقع بوعي كامل هي الخطوة الأولى لاستعادة القوة والكرامة، إذ يجب أن يفهم السوريون أن استمرارهم في وهم الماضي لن يؤدي إلا إلى المزيد من الفقر والخضوع، وأن الطريق نحو مستقبل حقيقي يبدأ بفهم حجم المؤامرة، وبناء إرادة جديدة، قادرة على استعادة البلاد من عبودية الواقع، وإعادة الشعب إلى موقع صانع التاريخ، لتصبح سوريا مرة أخرى أرضًا حية لشعب حي، لا مجرد مسرح للأوهام والدمى...

في أحياء دمشق وحلب وحمص، في القرى والبادية، كل يوم يقرأ الناس وجوه بعضهم البعض، ويرون التعب والحرمان في العيون، يسمعون صرير الأبواب القديمة، ويشمون رائحة الدمار والفساد الممتدة في كل زاوية. الأطفال يجرون بين الأنقاض، يبحثون عن أي شيء يمكن أكله، النساء تحملن عبء الخبز والماء والحرمان، والرجال يحاولون أن يثبتوا وجودهم في واقع فقد فيه كل شيء إلا الألم واليأس. كل لحظة في سورية اليوم تحكي قصة مؤامرة، كل شارع، كل بيت، كل نفوس مرهقة، تروي مأساة شعب لم يخطئ إلا في كونه قويًا في زمن خضع فيه الآخرون لضعفهم...

الواقع صادم، والحقيقة أقسى، لكن من يواجهها بعقل ووعي هو الوحيد القادر على قلب الطاولة، وإعادة سوريا إلى موقعها الطبيعي بين الأمم، كدولة مستقلة، وشعب قادر على صناعة مستقبله بيده، لا على أوهام الآخرين، ولا على الرموز الزائفة التي صنعتها المؤامرات الدولية.