
سورية: عندما لا يكفي الاقتصاد ولا تكفي السياسة
أزمة تتجاوز الداخل والخارج معًا.
لم تعد الأزمة السورية قابلة للاختزال في تفسير واحد واضح. فكل محاولة لقراءتها من زاوية الاقتصاد وحده، أو السياسة وحدها، أو حتى التدخلات الخارجية وحدها، تصطدم بواقع أكثر تعقيدًا وتشابكًا من أي سردية جاهزة.
المشكلة ليست في غياب التفسيرات، بل في وفرتها إلى درجة تجعلها تتنافس على تفسير الواقع بدل أن تكشفه.
من منظور الاقتصاد السياسي، لا يمكن فصل الأزمة السورية عن موقعها داخل بنية عالمية غير متكافئة، تُعيد توزيع القوة والفرص والموارد بشكل غير متوازن بين الدول. فالدول لا تتحرك في فراغ، بل داخل نظام عالمي يؤثر في مساراتها الاقتصادية وحدود خياراتها.
لكن هذا وحده لا يكفي لفهم الصورة.
فالدولة السورية نفسها ليست مجرد وسيط محايد بين الداخل والخارج، بل هي بنية أنتجت شكلًا معينًا من العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وأسهمت في إعادة تشكيل المجتمع والاقتصاد بطريقة جعلت من الأزمة نتيجة لمسار طويل من التفاعل الداخلي، وليس مجرد صدمة خارجية.
وهنا يصبح التفسير الأحادي—سواء كان اقتصاديًا بحتًا أو سياسيًا داخليًا أو خارجيًا صرفًا—غير قادر على الإمساك بجوهر المشكلة.
الأمر الأكثر تعقيدًا أن كل محاولة لتفسير الأزمة تتحول بدورها إلى “سردية”، وهذه السرديات لا تكتفي بوصف الواقع، بل تشارك في تشكيله. فهي تؤثر في طريقة إدراك الفاعلين لما يحدث، وتعيد ترتيب الأولويات، وتمنح المعنى للصراع نفسه.
بمعنى آخر، لا توجد “قراءة خارج الأزمة”، بل هناك قراءات تدخل في بنية الأزمة نفسها.
ومن هنا، يصبح السؤال التقليدي: هل الأزمة سورية بنيوية داخلية أم نتاج تشابك خارجي يتجاوز الدولة؟ سؤالًا غير كافٍ.
لأن هذا التقسيم يفترض وجود حد فاصل واضح بين الداخل والخارج، بينما الواقع يشير إلى أن هذا الحد قد تآكل تدريجيًا.
فالبنية الداخلية للدولة تشكلت تاريخيًا داخل شبكة من العلاقات الإقليمية والدولية، بينما تعمل هذه العلاقات من خلال الدولة وليس خارجها. أي أن ما يبدو داخليًا يحمل آثار الخارجي، وما يبدو خارجيًا لا يظهر إلا عبر الداخلي.
ومن منظور أعمق في الاقتصاد السياسي، يمكن القول إن سورية ليست خارج النظام العالمي، بل هي جزء من بنية غير متكافئة تُنتج التبعية والتفاوت، وتعيد تشكيل الدول وفق مواقعها داخل هذا النظام.
وفي الوقت نفسه، فإن آليات السلطة داخل الدولة ليست مجرد انعكاس لهذا النظام، بل عنصر فاعل في إعادة إنتاج الأزمة واستمرارها.
وبين هذين المستويين—البنية العالمية وبنية الدولة—تتشكل السرديات التي تحاول تفسير ما يحدث، لكنها في كثير من الأحيان تصبح جزءًا من تعقيده بدل تبسيطه.
في النهاية، تبدو الأزمة السورية أقرب إلى حالة مستمرة من إعادة إنتاج التعقيد، لا إلى حدث يمكن تفسيره بعامل واحد أو حسمه ضمن إطار نظري مغلق.
إنها ليست فقط أزمة اقتصاد أو دولة أو تدخل خارجي، بل تداخل طويل بين هذه المستويات، إلى درجة يصبح فيها فصلها عن بعضها طريقة لتبسيط الواقع أكثر مما هي طريقة لفهمه.
وربما يبقى السؤال الأهم ليس فقط:
ما الذي حدث في سوريا؟
بل أيضًا:
لماذا أصبح فهم ما حدث نفسه جزءًا من الأزمة؟