--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

سورية: عندما لا يكفي الاقتصاد ولا تكفي السياسة أزمة تتجاوز الداخل والخارج معًا (1970–2024)

Salah Kirata • ٢٩‏/٣‏/٢٠٢٦

15821.jpg

سورية: عندما لا يكفي الاقتصاد ولا تكفي السياسة

أزمة تتجاوز الداخل والخارج معًا (1970–2024).

لم تعد الأزمة السورية قابلة للاختزال في تفسير واحد واضح. فكل محاولة لقراءتها من زاوية الاقتصاد وحده، أو السياسة وحدها، أو حتى التدخلات الخارجية وحدها، تصطدم بواقع أكثر تعقيدًا وتشابكًا من أي سردية جاهزة.

المشكلة ليست في غياب التفسيرات، بل في وفرتها إلى درجة تجعلها تتنافس على تفسير الواقع بدل أن تكشفه.

منذ بداية السبعينيات، ومع إعادة تشكيل بنية الدولة السورية في مرحلة ما بعد 1970، دخلت البلاد في مسار طويل من إعادة تنظيم السلطة والاقتصاد والمجتمع. لم تكن الدولة مجرد إطار إداري، بل أصبحت مركزًا لإعادة توزيع الموارد وإعادة تشكيل العلاقة بين المجتمع والسلطة، في سياق إقليمي ودولي متغير باستمرار.

في تلك المرحلة، لم تكن سورية خارج التفاعلات الإقليمية الكبرى، سواء في سياق الصراع العربي–الإسرائيلي أو في إعادة ترتيب موازين القوى داخل المنطقة بعد التحولات في مصر والمنطقة العربية. هذا الموقع جعل الدولة السورية تتحرك دائمًا ضمن هامش حساس بين الداخل والخارج، لا تستطيع فيه الانفصال عن الإقليم، ولا الاندماج فيه بالكامل دون كلفة سياسية عالية.

من منظور الاقتصاد السياسي، لا يمكن فصل هذا المسار عن موقع سورية داخل بنية عالمية غير متكافئة، تُعيد توزيع القوة والموارد بين المركز والأطراف. فمع مرور الوقت، لم يكن الاقتصاد السوري يعمل كمنظومة مغلقة، بل كاقتصاد يتأثر بالتحولات الإقليمية، وبأنماط التمويل، والعقوبات، وإعادة تشكيل الأسواق.

لكن هذا وحده لا يكفي لفهم الصورة.

فالدولة السورية، خصوصًا منذ عقود ما بعد 1970، لم تكن مجرد متلقٍ لهذه التحولات، بل كانت فاعلًا يعيد إنتاجها داخليًا. فقد تشكلت بنية سياسية-إدارية مركزية لعبت دورًا رئيسيًا في إدارة المجتمع والاقتصاد، لكنها في الوقت نفسه أسست لتراكمات بنيوية طويلة المدى، ظهرت آثارها بشكل أوضح مع مرور الزمن.

وفي العقد الأول من الألفية، بدأت مؤشرات التحول الاقتصادي والاجتماعي بالظهور، مع محاولات الانفتاح الاقتصادي وإعادة هيكلة بعض القطاعات. لكن هذه التحولات لم تكن منفصلة عن البنية السياسية القائمة، بل تفاعلت معها بشكل معقد، ما أدى إلى إعادة توزيع غير متوازن للفرص والموارد داخل المجتمع.

ثم جاءت مرحلة 2011، لتكشف أن التراكمات السابقة لم تكن مجرد اختلالات جزئية، بل جزء من بنية أعمق من التوترات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، التي تفاعلت مع السياق الإقليمي بشكل سريع ومكثف.

ومع تحول الأزمة إلى صراع مفتوح متعدد المستويات، دخلت العوامل الخارجية بشكل مباشر إلى داخل البنية السورية، ليس كقوى خارجية فقط، بل كعوامل تعمل عبر الداخل السوري نفسه، من خلال شبكات سياسية واقتصادية وعسكرية معقدة.

ومن هنا، يصبح التمييز التقليدي بين الداخل والخارج أقل قدرة على التفسير. فالبنية الداخلية للدولة تشكلت تاريخيًا داخل شبكة علاقات إقليمية ودولية، بينما تعمل هذه العلاقات من خلال الدولة وليس خارجها. أي أن ما يبدو داخليًا يحمل آثار الخارجي، وما يبدو خارجيًا لا يظهر إلا عبر الداخلي.

ومع دخول مرحلة ما بعد 2011، ثم ما بعدها من إعادة تشكيل تدريجي للواقع السوري، لم تعد الأزمة مجرد حدث سياسي أو اقتصادي، بل أصبحت حالة مستمرة من إعادة إنتاج التعقيد، تتداخل فيها البنى الاقتصادية مع آليات السلطة، ومع السرديات التي تحاول تفسيرها وتوجيه فهمها.

الأمر الأكثر تعقيدًا أن كل محاولة لتفسير الأزمة تتحول بدورها إلى “سردية”، وهذه السرديات لا تكتفي بوصف الواقع، بل تشارك في تشكيله. فهي تؤثر في طريقة إدراك الفاعلين لما يحدث، وتعيد ترتيب الأولويات، وتمنح المعنى للصراع نفسه.

في النهاية، تبدو الأزمة السورية أقرب إلى مسار طويل من التحولات المتراكمة منذ 1970 حتى اليوم، لا إلى لحظة انفجار واحدة، ولا إلى عامل منفرد يمكن عزله وتفسيره.

إنها ليست فقط أزمة اقتصاد أو دولة أو تدخل خارجي، بل تداخل تاريخي ممتد بين هذه المستويات، إلى درجة يصبح فيها فصلها عن بعضها طريقة لتبسيط الواقع أكثر مما هي طريقة لفهمه.

وربما يبقى السؤال الأهم ليس فقط:
ما الذي حدث في سوريا؟
بل أيضًا:
كيف تشكل هذا “الحدث” عبر نصف قرن من التراكمات والتشابكات؟