--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

سورية بعد التحولات الكبرى: من اصطفافات الهوية إلى إعادة تشكّل الوعي السياسي.

Salah Kirata • ٣‏/٤‏/٢٠٢٦

18504.png

سورية بعد التحولات الكبرى: من اصطفافات الهوية إلى إعادة تشكّل الوعي السياسي.

تمرّ سورية اليوم، بعد التحولات العميقة التي شهدتها خلال السنوات الماضية، بمرحلة إعادة تركيب كاملة ليس فقط على مستوى السلطة والمؤسسات، بل على مستوى الوعي السياسي والاجتماعي ذاته. فالمجتمعات الخارجة من حروب طويلة وانكسارات حادة لا تعود إلى نقطة الصفر، بل تدخل في طور جديد تتداخل فيه الخبرة القاسية مع إعادة تعريف المصالح والانتماءات والخيارات.

لقد أظهر المسار السوري أن الانقسامات السياسية في لحظات الصراع الحاد لا تبقى ثابتة، بل تتبدل وفق التجربة المباشرة للناس مع السلطة ومع المعارضة على حد سواء. فالكثير من المواقف التي بدت في لحظة ما نهائية أو محسومة، سرعان ما خضعت لإعادة تقييم مع تغيّر الوقائع على الأرض، ومع تبدل طبيعة القوى التي كانت ترفع شعارات التغيير أو تستند إلى شرعيات مختلفة.

إن سقوط النظام السابق مثّل لحظة فرح واسع لدى قطاعات اجتماعية متعددة، ليس بالضرورة بوصفه انتصارًا لطرف على آخر، بل بوصفه نهاية مرحلة طويلة من الاستبداد وتراكمات القهر السياسي. غير أن ما تلا تلك اللحظة كشف أن التوقعات الأولية لم تكن متطابقة مع مسارات الحكم الجديدة، ولا مع طبيعة القوى التي صعدت إلى واجهة المشهد السياسي.

هنا بدأت تظهر إشكالية جوهرية في الحياة السياسية السورية: الفجوة بين التصورات المسبقة عن التغيير، وبين شكل الدولة الذي يتبلور فعليًا بعد التحولات. وهذه الفجوة دفعت شرائح مختلفة من المجتمع، كانت قد التقت ظرفيًا في لحظة رفض واحدة، إلى إعادة تموضع سياسي تدريجي، كلٌ وفق قراءته لتجربة الحكم الجديدة، وموقفه من اتجاهات الإدارة والسياسات العامة.

وفي هذا السياق، لا يمكن فهم المشهد السوري بوصفه اصطفافًا ثابتًا بين “مكونات” متقابلة، بل بوصفه حالة سيولة سياسية تعيد فيها الجماعات والأفراد تعريف مواقعهم باستمرار. فالمعارضة التي تشكلت في لحظة تاريخية معينة لم تكن كتلة واحدة متجانسة، كما أن المواقف من السلطة لم تكن يومًا نتيجة عامل واحد، بل حصيلة تفاعل معقد بين التجربة السياسية والاقتصادية والأمنية، وبين الخوف والأمل والذاكرة والواقع.

ومع الوقت، بدأت تتشكل قناعة لدى قطاعات واسعة بأن السياسة لا تُبنى على ردود الفعل وحدها، ولا على الانطباعات الأولى، بل على تقييم طويل المدى لقدرة أي مشروع حكم على إنتاج الاستقرار والعدالة والمشاركة. هذا التحول في الإدراك هو ما يعيد رسم الخريطة السياسية السورية تدريجيًا، بعيدًا عن الاصطفافات الحادة التي سادت في سنوات الأزمة.

وفي موازاة ذلك، برزت داخل قوى المعارضة ذاتها حالة إعادة فرز داخلي، حيث لم تعد وحدة الموقف قائمة على العداء للنظام السابق فقط، بل على تصورات مختلفة لمستقبل الدولة وشكل السلطة. وهذا ما جعل المشهد أكثر تعقيدًا، لكنه في الوقت نفسه أكثر قابلية لإنتاج توازنات سياسية جديدة لا تقوم على الإقصاء، بل على التنافس ضمن فضاء وطني مشترك.

إن أخطر ما يمكن أن يواجه سورية في هذه المرحلة هو إعادة إنتاج السياسة بمنطق الهويات المغلقة، سواء كانت طائفية أو مناطقية أو أيديولوجية، لأن ذلك يعيد إنتاج الأزمة بشكل مختلف. بالمقابل، فإن التحول الحقيقي يكمن في الانتقال من “سياسة الانتماء الأولي” إلى “سياسة البرنامج”، ومن منطق الغلبة إلى منطق الشراكة، ومن ذاكرة الحرب إلى أفق الدولة.

وفي قلب هذا التحول، تتبلور تدريجيًا “أكثرية سياسية” لا تُفهم بالمعنى العددي أو الهوياتي، بل بالمعنى القائم على التقاطع حول فكرة الدولة والاستقرار والعدالة ورفض إعادة إنتاج الاستبداد بأي صيغة كانت. هذه الأكثرية ليست ثابتة ولا مغلقة، بل هي مساحة مفتوحة تتغير بتغير الأداء السياسي والاقتصادي والاجتماعي لكل الأطراف.

إن سورية اليوم بحاجة إلى لحظة مراجعة عميقة، لا تُختزل في سرديات الانتصار أو الهزيمة، بل تنظر إلى المستقبل بوصفه مشروعًا مشتركًا، لا يحتكره طرف ولا تلغيه ذاكرة طرف آخر. فالدول لا تُبنى على لحظات الفرح أو الغضب، بل على القدرة على تحويل التجربة القاسية إلى عقد اجتماعي جديد، يضع الإنسان قبل الهوية، والمواطنة قبل الاصطفاف، والدولة قبل الجماعة.

وهكذا فقط يمكن للمرحلة القادمة أن تخرج من دائرة التوتر إلى أفق الاستقرار، ومن إعادة إنتاج الأزمات إلى بناء سياق سياسي جديد، تتسع فيه سوريا لكل أبنائها دون استثناء، على قاعدة الحقوق المتساوية والواجبات المشتركة، لا على قاعدة الغلبة أو الاستقواء أو الإقصاء.