--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

سورية بين عبودية الخوف ووحشة الحرية

Salah Kirata • ١٠‏/٥‏/٢٠٢٦

32161.jpg

سورية بين عبودية الخوف ووحشة الحرية

ليست المأساة السورية مجرد حرب طويلة أو خراب مدن أو تبدّل سلطات. إنها، في جوهرها، حكاية شعب وُضع لعقود أمام امتحان قاسٍ: كيف يمكن للإنسان أن يبقى إنسانًا وهو يعيش وسط الوحوش؟ وكيف يستطيع أن يقاوم الاستبداد دون أن يستعير أدواته ولغته وقلقه وكراهيته؟

أخطر ما تفعله الأنظمة القمعية ليس السجن ولا القتل فقط، بل قدرتها على إعادة تشكيل النفوس. فالإنسان الذي يعيش طويلًا تحت الخوف، يبدأ تدريجيًا في التشبه بما يخشاه. يتحول القمع من مؤسسة سياسية إلى طريقة تفكير يومية: في البيت، في المدرسة، في الحزب، في الطائفة، وحتى داخل المعارضة نفسها. لهذا رأينا في سوريا، خلال سنوات الدم، من خرج يطالب بالحرية ثم انتهى أسيرًا للانتقام، ومن رفع شعار العدالة ثم مارس الإقصاء ذاته الذي ثار عليه.

في بلادٍ اعتادت السلطة فيها أن تُربّي الناس على الطاعة لا على المبادرة، صار مجرد التفكير المستقل فعلًا خطيرًا. المواطن المثالي في نظر الدولة لم يكن الإنسان الحر، بل الإنسان المطيع، ذاك الذي يتخلى طوعًا عن يومه وصوته وكرامته مقابل شعور زائف بالأمان. وحين يفقد الإنسان حقه في امتلاك وقته، يصبح مجرد ترس داخل ماكينة ضخمة، مهما كان منصبه أو مظهره أو شعاراته. لذلك لم تكن العبودية في سوريا مرتبطة بالفقر وحده، بل بالخوف المزمن الذي جعل كثيرين يعيشون أعمارهم كأنها ليست لهم.

ومع ذلك، فإن أكثر ما يثير التأمل في التجربة السورية هو أن الشعب، رغم كل شيء، لم يتوقف عن البحث عن معنى لحياته. فالإنسان يستطيع احتمال الجوع والحصار والفقد، إذا شعر أن هناك غاية أكبر من ألمه. ولهذا صمد السوريون في المعتقلات والمنافي وتحت الأنقاض، لأن بعضهم كان يؤمن أن الكرامة تستحق التضحية، وأن الحياة بلا حرية ليست سوى شكل آخر من الموت البطيء.

لكن الحقيقة القاسية التي اكتشفها السوريون هي أن أحدًا لن يعبر بهم نحو الخلاص. لا الجيوش الأجنبية، ولا المؤتمرات الدولية، ولا خطابات التضامن، ولا المعارضات الممزقة. كل الشعوب التي غيّرت مصيرها عبرت الجسر وحدها، بأخطائها وخساراتها وشجاعتها. أما انتظار المنقذ الخارجي فكان دائمًا وصفة لإطالة المأساة لا لإنهائها.

لقد علّمتنا سوريا أيضًا أن الحرية ليست نزهة آمنة. إنها طريق محفوف بالمخاطر، مليء بالخسارات والخذلان. غير أن الأمم التي تخاف المغامرة محكوم عليها أن تبقى داخل القفص نفسه، ولو زيّنته بالأعلام والخطب والشعارات الوطنية. فالحياة الحقيقية تبدأ حين يقرر الإنسان أن يعيش واقفًا، لا حين يعتاد الركوع حتى يصبح الانحناء جزءًا من طبيعته.

وربما لهذا السبب تبدو المأساة السورية أكبر من حدود السياسة. إنها صراع طويل بين إنسان يريد أن يكون حرًا، ومنظومة كاملة بُنيت كي تقنعه أن الحرية عبء، وأن الخوف أكثر أمانًا من الكرامة. وفي النهاية، قد تُهزم الثورات أو تُسرق أو تنحرف، لكن الفكرة التي تدخل وعي الناس لا تموت. لأن الإنسان، مهما طال استعباده، يحمل داخله دائمًا توقًا سريًا إلى يومٍ يشعر فيه أن حياته ملكٌ له، لا هبة مؤقتة من حاكم أو جهاز أمن أو حزب.