--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

سورية بين الدولة المركزية وسلطة ما بعد الانهيار

Salah Kirata • ١٤‏/٤‏/٢٠٢٦

22595.png

سورية بين الدولة المركزية وسلطة ما بعد الانهيار...
 قراءة في التحولات الكبرى من عهد حافظ الأسد إلى المرحلة الانتقالية؟:

* سورية بين نموذج الدولة الصارمة وتجربة الفراغ السياسي:
ليست المقارنة بين المراحل السورية الحديثة ترفاً فكرياً، بل محاولة لفهم التحولات العميقة التي أصابت مفهوم الدولة ذاته، فبين عهد حافظ الأسد بوصفه نموذج الدولة المركزية الصارمة، وبين مرحلة ما بعد الانهيار التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد بطريقة دراماتيكية، وما نتج عنها من سلطة انتقالية برئاسة أحمد الشرع منذ نحو ستة عشر شهراً، تتكشف معادلة معقدة:
 الانتقال من “دولة تُنتج الفعل السياسي” إلى “سلطة تُدار بردود الفعل داخل فراغ سيادي واسع”...

*الدولة المركزية، صلابة البنية رغم كلفة السياسة، ففي عهد حافظ الأسد، تشكلت سورية كدولة مركزية شديدة الانضباط، لم يكن ذلك النموذج ديمقراطياً أو تعددياً، لكنه كان نموذج دولة مكتملة البنية: جيش موحد، أجهزة إدارية مركزية، وحدود واضحة، وقرار سياسي يتم إنتاجه من مركز واحد ويُنفذ عبر منظومة مؤسساتية متماسكة:
- فقد كانت سورية اقتصادياً، ورغم الاختلالات البنيوية والفساد والبيروقراطية الثقيلة، بقيت هناك دولة واحدة تتحكم بالمفاصل الاقتصادية، بعملة واحدة وسياسات مالية موحدة، ومكتفية ذاتيا وميزان مدفوعاتها رابح لحساب الدولة رغم العقوبات والمسارات التي فرضها الاتحاد الأوروبي بعد حادثة مطار (هيثرو) والعميل (نزار هنداوي)، لكن لم يكن في سورية جائع بمعنى الجوع الذي تعيشه نسبة كبيرة من السوريين حالياً...
- أما اجتماعياً، فقد كان الإطار العام للدولة حاضراً في التعليم والإدارة والخدمات، بما حافظ على حد أدنى من التماسك الوطني في ظل نظام أمني صارم...
- اما مايتعلق بالبعد الإقليمي، فبد امتلكت سورية آنذاك حضوراً واضحاً في معادلات الشرق الأوسط، كدولة ذات وزن سياسي يتجاوز حجمها الجغرافي، حتى في ظل التوترات والعقوبات والعزلة الجزئية، حتى أن مستشار النمسا ( برونو كراينسكي ) كان قد قال في منتصف ثمانينيات القرن الماضي ( أن لا سورية تساوي نعم العرب جميعاً)...

لكن هذا النموذج حمل في داخله تناقضاً بنيوياً خطيراً، تمثل في تحول السلطة تدريجياً إلى مشروع عائلي مع جريمة التوريث السياسي، ما أضعف فكرة الدولة كمؤسسة لصالح فكرة الحكم كامتداد شخصي، وهذا ما شكل بداية سقوط حقبة الأسد وقد أسقط معه الحزب ونحن من كنا الفاعل في مفاصل الدولة يوما، لقد سقط نعم وتسقط بيدنا ايضا، وهذه جريمة لاتغتفر وطنيا، وقد قضت على كل إنجاز عاشه السوريون في حقبة الأسد الأب، فقد بدأت الدولة مع الوقت تفقد مرونتها الداخلية، رغم استمرار صلابتها الشكلية...

ولعل المفارقة التي لا يمكن تجاهلها هنا، أن كثيرين ممن عاشوا تلك المرحلة—بمن فيهم من عملوا داخل مفاصل الدولة—كانوا أمام تجربة مركبة: 
(دولة مغلقة سياسياً، لكنها مستقرة أمنياً ومتماسكة مؤسساتياً، وحققت درجة من الاستقرار المعيشي والأمني جعلت البلاد في لحظات معينة أقل عرضة للفوضى التي ستأتي لاحقاً. غير أن هذا الاستقرار نفسه لم يكن قابلاً للاستدامة دون إصلاح سياسي حقيقي، وهو ما لم يحدث)...

*من الانهيار إلى الفراغ، لحظة سقوط الدولة، لقد جاء سقوط النظام السابق في لحظة دراماتيكية قلبت التوازنات بالكامل، ولم ينهِ مجرد نظام سياسي، بل فكك بنية دولة امتدت لعقود، ومع وصول سلطة الأمر الواقع التي شكلت خلف الأبواب المغلقة والغرف المظلمة، دخلت سورية مرحلة جديدة عنوانها الأبرز هو: 
الفراغ السيادي، هذا الفراغ لم يُملأ بدولة بديلة مباشرة، بل بتعدد سلطات محلية وفصائل مسلحة وهياكل أمر واقع، أعادت تشكيل الجغرافيا السياسية السورية على أسس متشظية، لا مركزية، وغير مستقرة...
ومن هذا السياق برزت قوى ذات طابع أيديولوجي-عسكري، وفي مقدمتها «هيئة تحرير الشام» وما دار في فلكها، التي حاولت إنتاج شكل من أشكال الإدارة المنظمة في بيئة حرب طويلة، لكنها بقيت محكومة بمنطق الفصيل: (شرعية أمنية، اقتصاد معابر، وإدارة محلية محدودة الاعتراف)...

*المرحلة الانتقالية، سلطة تحاول تعريف نفسها، فقبل نحو ستة عشر شهراً تقريبا دخلت سورية مرحلة جديدة مع تشكيل سلطة انتقالية برئاسة أحمد الشرع وهي من وقتها تعمل بمنطق “الفصيل” ولم تستطع بعد الولوج في منطق “الإدارة السياسية” للدولة،غير أن هذه التجربة لا تزال حتى اليوم تعمل داخل بيئة ما قبل الدولة، لا داخل دولة مكتملة السيادة،  فهي كما هو بيّن سلطة تُدار في فضاء مفتوح من التحديات الأمنية والاقتصادية والسياسية، وتتحرك في كثير من الأحيان وفق ضرورات اللحظة أكثر من امتلاكها لرؤية استراتيجية طويلة المدى...
بمعنى آخر:
 (ما زالت السلطة الانتقالية أقرب إلى إدارة واقع معقد، منها إلى بناء دولة مستقرة ذات مؤسسات راسخة)...

*الاقتصاد والمجتمع، من الدولة الواحدة إلى التعدد الهش فلقد انتقلت سورية:
- اقتصادياً، من اقتصاد دولة مركزية إلى اقتصاد حرب خلال سنوات الصراع، ثم إلى اقتصاد إداري هش في المرحلة الانتقالية، يعتمد على التوازنات والمعابر والمساعدات، أكثر مما يعتمد على إنتاج وطني مستقر، اذ لا تزال البنية الاقتصادية تعاني من التشظي وغياب الاستقرار النقدي والمالي...
- اجتماعياً:
لقد تحوّل المجتمع من إطار مؤسساتي موحد رغم صرامته، إلى فضاء متعدد المرجعيات، تتداخل فيه السلطات المحلية مع أنماط حكم مختلفة، ما جعل إعادة إنتاج الهوية الوطنية المشتركة أكثر تعقيداً...

* أما فيما يتعلق بالحضور الدولي، فيمكن توصيفه بجملة واحدة وهي (من الفاعل إلى الملف) اقصد أن سورية في عهد الدولة المركزية، كانت لاعباً إقليمياً حاضراً في ملفات كبرى تتجاوز حدودها، أما اليوم، فقد تحولت إلى ملف دولي مفتوح، تُدار علاقاته بمنطق الأمن والاستقرار الإنساني وإدارة المخاطر، لا بمنطق الفعل السياسي السيادي...
باختصار:
نحن عندما نضع المراحل الثلاث في سياق واحد—الدولة المركزية، ثم الانهيار، ثم المرحلة الانتقالية—تتضح معادلة أساسية وهي:
- أن نموذج الدولة في عهد حافظ الأسد، رغم كل ما يُسجل عليه من انتقادات جوهرية، كان نموذجاً أكثر قدرة على إنتاج القرار والاستمرارية، مقارنة بمرحلة ما بعد الانهيار التي يغلب عليها الطابع التفاعلي ورد الفعل...
- في المقابل، تبدو المرحلة الانتقالية الحالية محاولة لإعادة تركيب الدولة من داخل فراغها، في بيئة لم تستقر بعد سياسياً ولا أمنياً ولا اقتصادياً، ما يجعل بناء الدولة مهمة مفتوحة على احتمالات متعددة، لا نتيجة محسومة.
ختاماً:
سؤال الدولة المؤجل، بمعنى في نهاية هذا المسار الطويل، لا تبدو القضية مجرد مقارنة بين أنظمة حكم، بل سؤال أعمق عن معنى الدولة نفسها في السياق السوري:
- هل يمكن تحويل سلطة نشأت من رحم الحرب والفصائل إلى دولة مكتملة السيادة؟..
- أم أن سورية لا تزال تعيش مرحلة انتقال طويلة، عنوانها الأساسي: إدارة الفراغ بدل بناء الاستقرار؟..

الإجابة، حتى الآن، ما زالت مؤجلة… والتاريخ لم يقل كلمته الأخيرة بعد.