
سورية بين أنقاض السلطة وغياب الدولة: حين يتحول الحكم إلى وظيفة خراب.
لم تعد المأساة السورية قابلة للاختزال في فشل سياسي عابر أو عجز حكومي مؤقت؛ ما يتكشف اليوم أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام بنية حكم فقدت معناها كدولة، وتحوّلت إلى منظومة مغلقة تعيد إنتاج الانهيار بدل احتوائه. لم تعد المسألة تتعلق بمن يحكم، بل بكيف يُحكم البلد، ولأي غاية.
ما استقر في دمشق لا يحمل ملامح مشروع وطني، ولا حتى تصورًا انتقاليًا يمكن البناء عليه. إنه أقرب إلى تركيب هشّ لقوى متنافرة، اجتمعت على إدارة الفراغ لا ملئه، وعلى استثمار الركام لا رفعه. هذه الصيغة لم تأتِ من رحم المجتمع، ولا من إرادة عامة تسعى لإعادة تأسيس العقد الوطني، بل هبطت ضمن سياقات إقليمية ودولية جعلت من سورية ساحةً لتصفية الحسابات أكثر منها وطنًا يُعاد بناؤه.
منذ اللحظة الأولى، لم يكن الأداء موجهًا نحو ترميم ما تهدّم، بل نحو إعادة تشكيل المجتمع وفق معايير الولاء والخضوع. تم تفكيك المجال العام إلى مساحات ضيقة، يُراقَب فيها الناس ويُصنَّفون، ويُعاد تعريفهم وفق قربهم أو بعدهم عن مركز القوة. هكذا تحوّل الاختلاف إلى شبهة، والرأي إلى مخاطرة، والمواطنة إلى حالة مشروطة لا تُمنح إلا بثمن سياسي وأخلاقي باهظ.
الخطير في هذه الصيغة أنها لم تسعَ إلى بناء مؤسسات، بل إلى إحلال شبكات بديلة تقوم على الحواجز النفسية والاجتماعية. لم تُنتج إدارة عامة، بل أفرزت منظومات مغلقة تتغذى على الانقسام. وبذلك، لم يعد المجتمع السوري مجرد ضحية للتفكك، بل أداة يُعاد تشكيلها باستمرار بما يخدم بقاء هذه البنية. كل انقسام يصبح موردًا، وكل خوف يتحول إلى وسيلة ضبط، وكل تراجع في الثقة العامة يعزز موقع السلطة بدل أن يضعفها.
في هذا المناخ، يصبح لجوء الأفراد والجماعات إلى هوياتهم الأولية أمرًا مفهومًا، بل شبه حتمي. حين يغيب الإطار الوطني الجامع، يبحث الناس عن بدائل توفر لهم الحد الأدنى من الأمان، حتى لو كان ذلك على حساب فكرة الدولة نفسها. غير أن المفارقة أن السلطة القائمة لا ترى في هذا الانكفاء خطرًا، بل فرصة. فهي تحتاج إلى مجتمع مفكك لكي تستمر، وتستفيد من تعدد الولاءات كي تحافظ على موقعها كحَكَمٍ بينها.
المشكلة هنا ليست فقط في النتائج، بل في المنطق الذي يحكم العملية برمتها. نحن أمام عقلية ترى في البلاد موردًا يُدار، لا كيانًا يُصان. تُختزل الجغرافيا إلى مناطق نفوذ، ويُختزل البشر إلى أرقام قابلة للتصنيف، وتُختزل السياسة إلى أدوات سيطرة لا إلى مساحة توافق. بهذا المعنى، لا تمثل هذه السلطة قطيعة مع الماضي بقدر ما تمثل امتدادًا له بصيغة أكثر صراحة وأقل مواربة؛ إذ لم يعد هناك حتى ادعاء بناء دولة، بل مجرد إدارة مكشوفة لمعادلة القوة.
أمام هذا المشهد، يغدو الحديث عن حلول جزئية نوعًا من الهروب إلى الأمام. لا يمكن ترميم ما هو قائم لأنه لم يُبنَ أصلًا على أسس قابلة للإصلاح. كما أن البحث عن خلاص فردي أو فئوي لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة، لأنه يعيد إنتاج الشروط نفسها التي أوصلت البلاد إلى هذا المأزق.
البديل الوحيد الممكن يمر عبر إعادة تعريف الفكرة الوطنية نفسها: استعادة السياسة بوصفها فعلًا جماعيًا، لا أداة إقصاء؛ وإعادة بناء مفهوم المواطنة على أساس الشراكة لا الاصطفاف؛ وفتح المجال العام أمام تعددية حقيقية لا تُختزل في ولاءات ضيقة. هذا ليس شعارًا مثاليًا، بل شرطًا وجوديًا لأي أفق مستقبلي.
أما الاستمرار في المسار الحالي، فلن يعني سوى تكريس دورة مغلقة من الانهيار، حيث تُدار البلاد كغنيمة، وتُوزّع السلطة كامتياز، ويُطلب من الناس أن يتكيّفوا مع واقع لا يمنحهم سوى الخوف بديلاً عن الأمل. وفي ظل ذلك، لن تكون الخسارة سياسية فحسب، بل وجودية تمسّ معنى سورية نفسها كدولة ومجتمع.