
سورية بين استقرار الدولة وسؤال المستقبل: حصاة تُلقى في ماء ساكن.
في مراحل التحول الكبرى لا تُقاس الدول فقط بما تنجزه من استقرار أمني أو إعادة ترتيب لمؤسساتها، بل تُقاس أيضاً بطبيعة السؤال الذي تتركه مفتوحاً أمام مستقبلها: هل الاستقرار هو نهاية المسار، أم بدايته؟ وهل يُبنى الاستقرار ليكون جسراً نحو دولة مدنية ديمقراطية، أم ليصبح شكلاً ثابتاً للحكم يُعاد إنتاجه دون مراجعة؟
في الحالة السورية، تبدو البلاد اليوم في لحظة إعادة تشكل بطيئة، بعد سنوات من الانكسار والحرب والانقسام. وهذه اللحظات، رغم قسوتها، هي اللحظات التي تُكتب فيها الاتجاهات الكبرى للدول، لا بالتفاصيل اليومية، بل بطبيعة العقد غير المكتوب بين السلطة والمجتمع حول شكل الدولة القادمة.
أمام هذا المشهد، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاوزه: إلى أين يتجه الاستقرار؟
هل هو استقرار دولة تتسع تدريجياً نحو صيغة مدنية ديمقراطية، تحفظ الدين والمجتمع دون أن تحوّل أي منهما إلى أداة حكم؟ أم أنه استقرار يتبلور حول خطاب ديني أو سياسي أحادي، يعيد تشكيل الدولة على أساس الهوية لا المواطنة؟
الفرق بين المسارين ليس نظرياً، بل عملي ومصيري. فالدولة المدنية الديمقراطية ليست ترفاً فكرياً، بل هي الشكل الأكثر قدرة على استيعاب التعدد السوري، وعلى تحويل التنوع من مصدر خوف إلى مصدر قوة. أما الدولة التي تُدار بالشعارات المؤدلجة، مهما كانت نواياها، فهي معرضة دائماً لإعادة إنتاج الانقسام ولو بصيغ مختلفة.
في هذا السياق، يصبح من الطبيعي أن يظهر اختلاف في الرؤية، لا كصراع مع الأشخاص، بل كصراع مع الاتجاهات. ومن هنا تحديداً، لا يعود السؤال من يحكم، بل كيف تُحكم الدولة، وعلى أي فكرة تُبنى، وإلى أي مستقبل تُقاد.
ومن منطلق الإيمان بأن السياسة ليست احتكاراً، وأن اللحظات التأسيسية تحتاج دائماً إلى تعدد الأصوات لا إلى تكرار الصوت الواحد، فإن من حق أي صاحب رأي أن ينتقل من موقع المراقبة إلى موقع الفعل، ولو رمزياً، ولو دون أدوات متكافئة، ولو دون أوهام بالوصول.
ولهذا، وبقدر من الوعي بحدود الذات وحدود اللحظة، أرى أن إعلان موقف سياسي مباشر في مواجهة هذا المسار ليس بحثاً عن انتصار، ولا رغبة في سلطة، ولا وهماً بقدرة على التغيير الفردي، بل هو فعل رمزي هدفه الوحيد كسر السكون وإعادة طرح السؤال.
وأنا أدرك تماماً أنني، في أي مواجهة انتخابية أو سياسية، لن أكون إلا صوتاً وحيداً في مواجهة ماكينات إعلامية وتنظيمية أكبر بكثير من قدرة الفرد. وقد لا أحصل إلا على صوتي، وربما حتى ذلك يكون كافياً من حيث المعنى لا النتيجة.
لكن المسألة ليست في الحسابات الرقمية، بل في وظيفة الفكرة نفسها: أن تبقى هناك إمكانية للاختلاف، وإمكانية للقول، وإمكانية لأن لا تُختزل البلاد في اتجاه واحد.
وفي هذا المعنى، لا أرى نفسي مرشحاً بقدر ما أرى نفسي حصاة تُلقى في بحيرة ساكنة.
حصاة لا تدّعي تغيير مجرى الماء، لكنها ترفض أن يبقى بلا حركة.
دوائر صغيرة قد تتلاشى سريعاً، لكنها تكفي لتذكير الجميع بأن السكون ليس قدراً، وأن الأسئلة أهم من الإجابات الجاهزة.
لعل هذا هو كل ما يمكن أن يفعله صوت فردي في لحظة تاريخية حساسة:
أن يزعج الهدوء قليلاً، لا ليهدمه، بل ليمنعه من التحول إلى جمود.