
سورية بين ضجيج الداخل وتحديات الخارج:
الحاجة إلى وعي جامع واستعادة البوصلة الوطنية...
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية
تبدو اللحظة السورية الراهنة مثقلة بتشابكات قاسية تتداخل فيها الأزمات الاقتصادية والمعيشية مع احتدام الخطابات الطائفية والتحريضية، وكأن البلاد تُدفع تدريجياً نحو حالة من الاستنزاف الداخلي الذي يستهلك الوعي العام ويشتت الانتباه عن التحديات الأخطر والأكثر استراتيجية... هذا الواقع لا يهدد فقط الاستقرار الاجتماعي، بل يمسّ جوهر الفكرة السورية نفسها بوصفها فضاءً جامعاً لتعدد اجتماعي وثقافي ظلّ، رغم كل العواصف، أحد أهم عناصر قوتها التاريخية...
إنّ أخطر ما في اللحظة الراهنة ليس فقط تدهور الأوضاع الاقتصادية أو ضغط المعيشة أو أزمات الخدمات، بل تحوّل الفضاء العام إلى ساحة صراع لغوي مشحون، تُستبدل فيه النقاشات العقلانية بالتخوين والاتهام، وتُختزل فيه القضايا الكبرى في روايات انتقائية تُغذّي الانقسام بدل أن تعالجه، وفي مثل هذا المناخ، تتراجع القدرة الجماعية على رؤية الصورة الأوسع، وتضيع الأولويات الوطنية الحقيقية وسط ضجيج يومي متصاعد.
من أبرز الإشكاليات التي تستدعي التوقف عندها اليوم، هو تراجع الاهتمام بالتهديدات الاستراتيجية الخارجية، وعلى رأسها التمدد الإسرائيلي في المنطقة، مقابل تضخّم النقاشات الداخلية ذات الطابع الهوياتي أو الأمني أو المعيشي، إن اختلال ترتيب الأولويات هذا لا يحدث صدفة، بل يتغذى من بيئة إعلامية واجتماعية مضطربة، تفتقر في كثير من الأحيان إلى خطاب وطني جامع قادر على وضع الأحداث في سياقها الأشمل...
وفي المقابل، فإن الانشغال بقضايا جزئية أو صراعات داخلية أو روايات متناقضة حول الحوادث اليومية، مهما كانت خطورتها أو حساسيتها، لا يجب أن يتحول إلى بديل عن التفكير الاستراتيجي في مصير البلد... فالمجتمعات التي تفقد قدرتها على تحديد "العدو المشترك" أو "التحدي الجامع" غالباً ما تنزلق نحو تآكل داخلي بطيء، تكون كلفته الأكبر على الأجيال القادمة التي ترث بلدًا منهكًا ومجزأ الوعي...
إن الحديث عن سورية اليوم لا يمكن أن يكون حديثاً عاطفياً فقط، بل يجب أن يتحول إلى سؤال عقلاني:
- كيف يمكن إعادة بناء الحد الأدنى من الثقة بين مكونات المجتمع؟..
- وكيف يمكن استعادة خطاب وطني يخفف من حدة الاستقطاب ويعيد توجيه الطاقة العامة نحو القضايا الأساسية؟..
هنا تبرز أهمية العمل على أكثر من مستوى:
أولاً:
تعزيز الوعي الإعلامي والتربوي عبر دعم مبادرات التثقيف المدني، وتشجيع منصات الحوار التي تبتعد عن التحريض وتتبنى لغة تحليلية مسؤولة، قادرة على تفكيك الأخبار لا تضخيمها..
ثانياً:
إعادة الاعتبار لفكرة المواطنة الجامعة بوصفها الإطار الوحيد القادر على حماية المجتمع من الانزلاق نحو الهويات المغلقة، وذلك عبر سياسات تعليمية وثقافية تركز على القيم المشتركة لا الفروقات...
ثالثاً:
توسيع مساحات الحوار المدني من خلال ندوات ومنتديات فكرية مستقلة، تجمع أطرافاً مختلفة حول طاولة واحدة لمناقشة القضايا الحساسة بروح علمية لا انفعالية، وتعيد بناء الحد الأدنى من الثقة المفقودة...
رابعاً:
التركيز على القضايا الاستراتيجية الكبرى وفي مقدمتها الأمن الوطني والسيادة والتحديات الإقليمية، وعدم السماح بتحويل الانتباه الكامل نحو صراعات داخلية تستنزف المجتمع وتضعف قدرته على التماسك.
خامساً:
دعم الشباب كمحور لأي عملية إصلاح أو إعادة بناء، فهم الأكثر تأثراً بالأزمة والأكثر قدرة على تجاوزها إذا ما أتيحت لهم الأدوات المعرفية والمنابر الحرة للتعبير والمشاركة...
إن القلق على سورية، كما يظهر في كثير من الأصوات الصادقة، ليس حالة تشاؤم بقدر ما هو تعبير عن خوف حقيقي على مستقبل بلد كان ولا يزال يحمل ثقلاً تاريخياً وإنسانياً كبيراً في محيطه. غير أن تحويل هذا القلق إلى فعل معرفي ومجتمعي هو التحدي الحقيقي، لأن البكاء على الواقع دون محاولة فهمه أو تغييره لا يغير من مساره شيئاً...
فسورية اليوم بحاجة إلى إعادة ترتيب وعيها قبل إعادة ترتيب واقعها. فالأوطان لا تنهار فقط بالسلاح أو الاقتصاد، بل أيضاً بانهيار المعنى المشترك بينها وبين أبنائها. وحين يُستعاد هذا المعنى، يمكن حينها فقط الحديث عن طريق خروج حقيقي من النفق، مهما كان طويلاً ومظلماً.
وفي النهاية:
يبقى الأمل ليس شعاراً عاطفياً، بل خياراً عقلانياً يفرضه إدراك أن البديل هو مزيد من التآكل والانقسام. وبين هذا وذاك، تظل مسؤولية الكلمة والوعي أكبر من أي وقت مضى.