
سورية بين هشاشة الإدارة وضرورة إعادة بناء الدولة على أساس الكفاءة
تعيش سورية اليوم مرحلة شديدة الحساسية من تاريخها الحديث، حيث تتقاطع فيها تداعيات الحرب الطويلة مع أعباء الاقتصاد المنهك، ومع تعقيدات البنية المؤسسية التي تضررت عبر سنوات من الصراع. وفي مثل هذه اللحظات، تصبح طريقة إدارة الدولة أهم من أي شعار سياسي، لأن الإدارة هي التي تحدد اتجاه الانهيار أو التعافي.
من غير الدقيق النظر إلى ما يجري داخل المؤسسات على أنه مشروع “اختطاف” للدولة أو تفكيك متعمد لها، فالدول في مراحل ما بعد النزاع غالباً ما تعاني من اختلالات عميقة في معايير التعيين وتوزيع السلطة الإدارية. ما يحدث في كثير من الحالات هو نتيجة تراكمات: ضعف مؤسسات الرقابة، تآكل نظم الخدمة المدنية، ضغط الولاءات المحلية، وغياب تحديث حقيقي لهياكل الإدارة العامة. هذه العوامل مجتمعة تخلق بيئة تُنتج سوء إدارة حتى دون وجود قرار مركزي واعٍ بتدمير الدولة.
لكن في المقابل، لا يمكن إنكار أن استمرار تراجع معيار الكفاءة في مواقع القرار يؤدي عملياً إلى نفس النتيجة الخطيرة: إضعاف فعالية الدولة، تراجع ثقة المواطنين، وتآكل الشعور بالعدالة. فالدولة لا تنهار فقط بالضربات الكبرى، بل أيضاً بالقرارات اليومية الصغيرة التي تُقصي الأكفأ وتُقدّم الأضعف، حين تتحول الوظيفة العامة من مسؤولية وطنية إلى شبكة مصالح ضيقة.
غير أن توصيف الأزمة وحده لا يكفي، بل الأهم هو تفكيك جذورها واقتراح بدائل قابلة للتطبيق. أول هذه البدائل هو إعادة بناء منظومة التعيين على أساس الجدارة، عبر آليات شفافة للاختيار، تعتمد الاختبار والتقييم لا العلاقات والانتماءات. وثانيها هو إعادة تفعيل مؤسسات الرقابة والمساءلة بشكل مستقل وفعّال، بحيث لا تبقى القرارات الإدارية خارج أي محاسبة حقيقية. وثالثها هو الاستثمار في الكفاءات السورية داخل البلاد وخارجها، وفتح الباب أمام عودة الخبرات التي يمكن أن تشكل رافعة حقيقية لعملية التعافي.
كما أن إصلاح الإدارة لا يمكن أن ينجح دون إصلاح ثقافة الدولة نفسها، أي الانتقال من منطق “الولاء” إلى منطق “الكفاءة”، ومن عقلية إدارة الأزمة إلى عقلية بناء المؤسسات. وهذا يتطلب إرادة سياسية طويلة الأمد، لا إجراءات مؤقتة أو شعارات ظرفية.
في النهاية، مستقبل سوريا لا يُحسم بلغة الاتهام أو التوصيف الحاد وحده، بل بقدرة الدولة والمجتمع على إعادة تعريف معنى السلطة والإدارة والوظيفة العامة. فإما أن تتحول المؤسسات إلى أدوات خدمة حقيقية للمجتمع، أو تبقى تدور في حلقة استنزاف تُضعف الجميع دون استثناء. والاختيار هنا ليس نظرياً، بل هو مسار يومي يتشكل من القرار الإداري الأول حتى آخر تفصيل في حياة الدولة.