--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

سورية بين حثالتين: حين تصبح الطائفة بديلاً عن الوطن

Salah Kirata • ١٩‏/٤‏/٢٠٢٦

23841.jpg

سورية بين حثالتين: حين تصبح الطائفة بديلاً عن الوطن.

حين كتبتُ روايتي القصيرة "ارتجافة الشيخ الأخيرة"، لم أكن أبحث عن معركة سياسية جديدة، ولا كنت أتهيأ لفتح جبهة سجال مع أحد. كنت أعيش لحظة إنسانية خالصة، مشهداً موجعاً لرجل تجاوز منتصف السبعين، يهتز أمام خراب العمر والوطن معاً، وكنت أكتب من ذلك الوجع الصافي، من ذلك الانكسار الذي لا يحتاج إلى تنظير بقدر ما يحتاج إلى ضمير.

لم تكن حساباتي تتجاوز البعد الأخلاقي والإنساني. نعم، خبرتي السابقة في الشق الأمني، وما راكمته من قراءة لنبض الشارع واستقراء لحركة المجتمعات، جعلتني أكثر حساسية تجاه ما يُخفى خلف الكلمات وما يُدار خلف الستائر، لكن ذلك لم يكن دافع الكتابة. الدافع كان إنساناً مسحوقاً، ووطناً يُذبح ببطء، وشعباً يُطلب منه أن يعتاد النزيف وكأنه قدر أبدي.

لكن المفارقة أنني وجدت نفسي فجأة في مرمى نيران نظامين: النظام الساقط الذي دمّر سورية ونهبها وأهان شعبها، والنظام الذي لا أصفه بالصاعد، لأنه إن استمر على ذات الممارسات والانغلاق والعمى السياسي، فهو لا يصعد بل يسير بخطى ثابتة نحو سقوط مادي، بعد أن بدأ سقوطه المعنوي فعلاً في وجدان نسبة كبيرة من السوريين.

المشكلة لم تكن في النقد، بل في طبيعة الردود. حين قلت ببساطة إن بشار الأسد نهب البلد، وإن محاكمته ليست مطلباً سياسياً بل واجب وطني وأخلاقي وإنساني، وإن استعادة الأموال المنهوبة حق مشروع لكل السوريين بلا تمييز في عرق أو دين أو مذهب، وجدت إحجاماً مخزياً من أولئك الذين أسميهم بلا تردد: طائفة الأسد.

وهنا يجب أن نكون واضحين: الحديث ليس عن طائفة دينية، ولا عن انتماء مذهبي بالمفهوم التقليدي، بل عن عصابة مصالح، عن حثالة سياسية وأخلاقية اتخذت من الطائفة درعاً، ومن الخوف مشروع حكم، ومن الابتزاز وسيلة بقاء. هؤلاء لا يدافعون عن عقيدة، بل عن امتيازات مسروقة، وعن ثروة نُهبت من أفواه السوريين، وعن سلطة قائمة على الدم والفساد.

المؤلم أن كثيرين منهم لا يريدون حتى أن يناقشوا الفكرة، لا يريدون أن يثبتوا رأياً مضاداً، ولا حتى أن يُظهروا أنهم قرأوا. مجرد الإشارة إلى أن الأسد لصّ يجب أن يُحاسب، كافية لإغلاق العقول وتحريك الغرائز البدائية. هنا لا يعود النقاش سياسياً، بل يتحول إلى ولاء أعمى يشبه العبودية أكثر مما يشبه الانتماء.

وفي الجهة الأخرى، وجدت هجوماً شرساً من جماعة "أحمدنا"، أولئك الذين يلبسون عباءة الدين وهم في الحقيقة لا يقلّون طائفية ولا تعصباً عن خصومهم. هم أيضاً لا يحتملون نقداً، ولا يرون الوطن إلا من ثقب جماعتهم، ولا يقيسون الحق بمعيار العدالة بل بمعيار الولاء.

وهنا نصل إلى الحقيقة الأخطر: الاصطفاف الطائفي في سورية لم يعد مجرد انقسام اجتماعي، بل أصبح بنية عقلية كاملة، ونظاماً نفسياً وأخلاقياً يحكم السلوك العام. حثالات الطرفين ـ نعم حثالات ـ يتجاوزون الدين نفسه، ويجعلون الطائفة أعلى من العقيدة، ويجعلون الاثنين معاً فوق الوطن.

هم لا يسألون: من سرق سورية؟
بل يسألون: من أي طائفة هو؟

لا يسألون: من قتل السوريين؟
بل يسألون: لصالح أي جماعة فعل؟

لا يسألون: كيف نبني دولة؟
بل يسألون: من يضمن حصتي فيها؟

وهنا يبدأ الخراب الحقيقي.

لأن الوطن لا يُبنى بالطوائف، بل يُبنى بالمواطنة. والدولة لا تقوم على الثأر المتبادل، بل على العدالة. والمستقبل لا يُصنع بعقلية القطيع، بل بعقلية الشراكة الوطنية.

سورية اليوم ليست مهددة فقط ببقايا النظام السابق، ولا فقط بغباء القوى الجديدة، بل مهددة بهذا الانحطاط الجمعي الذي يجعل كثيرين مستعدين لحرق البلد كله مقابل ألا يخسروا امتيازاً طائفياً أو وهماً أيديولوجياً.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث الآن هو أن يستمر هذا الانقسام حتى ينفجر انفجاراً شاملاً. وإذا وقع ذلك الانفجار، فكل ما عشناه خلال خمسة عشر عاماً من الدم والخراب سيبدو مجرد مقدمة بسيطة، مجرد مقبلات أمام الوجبة الرئيسية القادمة. عندها سنكتشف أن ما رأيناه لم يكن الحرب، بل كان التدريب عليها.

ولهذا، فإن تجاوز هذا الجحيم لا يكون بالشعارات، بل بخطوات صريحة ومؤلمة:

أولاً، لا بد من كسر قداسة الجماعات، كلها بلا استثناء. لا مقدسات سياسية ولا طائفية ولا دينية فوق الوطن والقانون.

ثانياً، يجب أن تكون محاسبة بشار الأسد ورموز نظامه بنداً وطنياً لا تفاوض عليه، لا انتقاماً بل تأسيساً للعدالة. لا يمكن بناء دولة فوق جثة الحقيقة.

ثالثاً، استعادة الأموال المنهوبة ليست ملفاً مالياً بل قضية كرامة وطنية. من سرق البلد يجب أن يُجرّد من شرعية السرقة لا أن يُمنح فرصة إعادة تدوير نفسه.

رابعاً، لا بد من مشروع وطني يعيد تعريف السوري لا بوصفه ابن طائفة، بل بوصفه مواطناً كامل الحقوق والواجبات.

خامساً، يجب فضح تجار الدين كما يُفضح تجار الطائفة، لأن الاثنين وجهان لسوق واحدة: بيع الوطن مقابل السلطة.

سورية لا تحتاج مصالحة بين الطوائف، بل تحتاج قطيعة مع الطائفية نفسها.

ولا تحتاج بطلاً جديداً، بل تحتاج شعباً يرفض صناعة الأصنام.

ولا تحتاج نظاماً أقل سوءاً، بل تحتاج دولة تستحق أن تُسمى دولة.

وإلا، فإننا جميعاً، بلا استثناء، سنكون شهوداً على السقوط الأخير… وربما هذه المرة، لن يبقى وطن لنختلف عليه.