
سورية بين جهل السلطة وعبء الواقع: قراءة في إخفاقات حكومة ما بعد التحرير:
عندما نتأمل الوضع السوري بعد ما أُطلق عليه "تحرير الدولة" نجد أنفسنا أمام تناقض صارخ بين التوقعات والإمكانيات وبين الواقع المر الذي يعيشه المواطن. فقد كانت سورية قبل هذه المرحلة تعاني من شح الموارد وضعف الرواتب، لكنها كانت تحت سقف إدارة مؤسسات على الأقل تعرف أبجديات العمل، وكانت عجلة الدولة تدور، وإن ببطء، لكنها كانت تدور. أما اليوم، فالوضع مختلف تمامًا: مؤسسات خالية من الخبرة والكفاءة، قرارات فوضوية لا تخدم إلا مصالح قاصرة، ومعاناة المواطنين تتسع يوماً بعد يوم.
انتقل الشعب من تجربة إدارة دولة تحت ضغوط حقيقية لكنها منظمة، إلى إدارة فوضوية غير مؤهلة، حيث الجهل والحقد أصبحا معيارًا لاتخاذ القرارات، بينما تراجعت القدرة الشرائية بشكل كارثي. ما كان يعتبر ندرة في عهد سابق أصبح متاحًا، لكن بلا قدرة على الشراء، والرواتب التي كانت تكفي على الأقل للطعام والضروريات أصبحت معدومة، والخدمات الأساسية مجرد شعارات جوفاء لا واقع لها على الأرض.
التحولات الاقتصادية والاجتماعية لم تكن نتيجة طبيعية للأزمة أو الحصار، بل كانت نتيجة مباشرة لغياب الكفاءة، وفقدان الخبرة في إدارة دولة تتطلب رؤية متكاملة بين الاقتصاد والسياسة والخدمات. قرارات العزل والإقالة والتسريح وإلغاء العقود لم تُسهم إلا في تعميق الأزمة، بينما تظهر تصريحات المسؤولين وكأنها محاولة لتبرير الفشل عبر إحصاءات غير دقيقة. هذا كله يعكس غياب التخطيط وإهمال مصلحة المواطن، وهو ما يضع الدولة وشعبها على حافة كارثة اجتماعية حقيقية.
الأمر لا يتوقف عند الأرقام والرواتب، بل يمتد إلى استنزاف الثقة العامة بالدولة ومؤسساتها. المواطن الذي كان يطمح لتحسين أوضاعه وجد نفسه بين فوضى الإدارة ووعود جوفاء لا تتحقق. إن هذه الإدارة، التي انتقلت من إدارة محدودة لمعارك أو قرى إلى إدارة دولة كاملة دون تأهيل، تواجه واقعاً مريراً: كل قرار يصدر لا يرتكز على معرفة حقيقية بالواقع ولا على فهم لآليات الدولة المعقدة. وكما قال الشاعر: الجهالة أعيت من يداويها، فإن الغياب التام للخبرة أصبح مرضاً مستشرياً في قلب السلطة.
بالنظر إلى كل ما سبق، فإن المخاطر أكبر من مجرد أزمة مؤقتة؛ إنها تهدد استقرار الدولة ومجتمعها على المدى الطويل. إدارة الدولة ليست مجرد إحلال أشخاص جدد مكان قدامى، بل تتطلب رؤية، وخبرة، ومعرفة دقيقة بواقع البلاد واحتياجات الشعب. استمرار الأداء الحالي، إذا لم يصاحبه تصحيح حقيقي، قد يدفع بالبلاد نحو ما هو أسوأ، وربما يفتح الطريق لصراعات اجتماعية واسعة، في وقت البلاد أحوج ما تكون فيه إلى إعادة بناء الثقة الوطنية وتعزيز الاقتصاد وإعادة ترتيب مؤسساتها.
الخلاصة: الأداء الحالي لحكومة ما بعد التحرير ليس مجرد إخفاق تقني، بل هو انعكاس مباشر لغياب الكفاءة والقدرة على إدارة دولة. الواقع يقول إن الشعب السوري ليس فقط ضحية الحروب والصراعات، بل أصبح ضحية إدارة غير مؤهلة، وهذا يفرض على أي مراقب موضوعي استنتاج واحد: لا إصلاح حقيقي ممكن بدون قيادة واعية، مؤهلة، ومؤمنة بأن الدولة مسؤولية أكبر من مجرد مناصب وألقاب.