
سورية بين لحظة “الخروج الآمن” ودورات السلطة المتكسّرة: قراءة في قابلية الانفجار الداخلي المستمر:
لم يكن فجر الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 فجرًا عاديًا في الذاكرة السورية الحديثة. فقد استيقظ كثيرون على مشهد بدا وكأنه نهاية فصل طويل من تاريخ الدولة والسلطة، مع ما تناقلته وسائل الإعلام الدولية، ومنها France 24، حول “الخروج الآمن” لبشار الأسد وعدد من أبرز أركان حكمه مع عائلاتهم باتجاه روسيا الاتحادية، في لحظة بدت للبعض وكأنها إغلاقٌ رمزي لحقبة كاملة بكل ما حملته من صراعٍ ممتد، وتشابكٍ بين الدولة والسلطة، والاقتصاد والسياسة والأمن.
لكن التجربة السورية، كما أظهرت السنوات الماضية، لا تُسلم بسهولة بفكرة “النهاية”. فهي غالبًا ما تنتقل من شكلٍ صلب من السلطة إلى أشكال أكثر سيولة واضطرابًا، دون أن تُنتج استقرارًا مؤسسيًا مكتمل الملامح.
وفي هذا السياق، تعود إلى الذاكرة إجابة كنتُ قد قدمتها في مقابلة مع France 24 فجر يوم نط الناس في سورية ولم يحط بعضهم ولازال معلقا في حبال الهواء لاهو بقي على أرض ولا هو طال سماء، في نشرة أخبار عند الفجر طُرح عليَّ سؤال حول مستقبل حكم هيئة تحرير الشام. يومها، كان جوهر الطرح يقوم على قراءة نمطٍ متكرر في تجربة التنظيمات المسلحة ذات الخلفية الأيديولوجية الجهادية، حيث لا تتحول السيطرة على الأرض تلقائيًا إلى استقرار سياسي، بل غالبًا ما تفتح الباب أمام ديناميات داخلية أكثر تعقيدًا من الصراع الخارجي ذاته.
فحين تتمكن مثل هذه الجماعات من تثبيت وجودها في جغرافيا معينة، فإن ما يتشكل عادة ليس “دولة مستقرة”، بل بنية سلطوية هجينة، تتداخل فيها الشرعية الأيديولوجية مع منطق القوة والتنظيم العسكري، وهو ما يجعلها عرضةً لتوترات داخلية دائمة.
وتتكرر في هذا النمط مجموعة من العوامل البنيوية التي تغذي احتمالات الصدام الداخلي، من أبرزها:
- احتكار السلطة باعتبارها الغاية العليا للصراع داخل البنية التنظيمية.
- تضارب المصالح بين الأجنحة والتيارات والدوائر القيادية المختلفة.
- تنازع الادعاء بالشرعية، سواء الدينية أو الثورية أو التنظيمية.
- استخدام التخوين أو التكفير كأداة لضبط التوازنات الداخلية أو تصفيتها.
ومع مرور الوقت، تتحول هذه العوامل من كونها اختلافات سياسية إلى بنية صدام محتمل، حيث يصبح الاقتتال الداخلي جزءًا من دورة الحياة السياسية نفسها داخل هذه الكيانات، وليس مجرد استثناء طارئ عليها.
ومن هنا، فإن ما يُتداول اليوم حول “محاولة انقلابية فاشلة” تستهدف نظام الرئيس أحمد الشرع، سواء ثبتت تفاصيله أو لم تُحسم بعد، لا يبدو حدثًا معزولًا عن السياق، بل أقرب إلى حلقة ضمن سلسلة من التوترات التي يمكن أن تنشأ داخل بنى السلطة الهجينة التي لم تنتقل بعد إلى منطق الدولة المؤسسية.
إن السؤال الأعمق هنا لا يتعلق بواقعة محددة بقدر ما يتعلق بالبنية:
هل يمكن لكيان نشأ من منطق التنظيم المسلح أن يتحول بسلاسة إلى منطق الدولة المستقرة؟ أم أن هذا الانتقال يظل محفوفًا بتناقضات داخلية تجعل الاستقرار حالة مؤقتة، والصراع احتمالًا دائمًا؟
إن التجربة السورية، في مساراتها المختلفة، تشير إلى أن غياب الانتقال الكامل إلى دولة مؤسسات، لا يعني فقط استمرار التهديدات الخارجية، بل يفتح في الوقت ذاته مساحة واسعة لصراعات داخلية تتغذى من داخل البنية نفسها، لا من خارجها.
وعليه، فإن التحذير من احتمالات محاولات انقلابية مستقبلية، ليس قراءة انفعالية، بل استنتاج يرتبط بمنطق تاريخي متكرر: حيث تنتج البنى المسلحة ذات الطابع الأيديولوجي دورات متتابعة من التوتر الداخلي، حتى بعد تثبيت السيطرة على الأرض.
وفي المحصلة، تبدو سوريا اليوم أمام معادلة معقدة:
ليست فقط ساحة صراع سياسي وعسكري، بل أيضًا مختبرًا قاسيًا لديناميات السلطة حين تتشكل خارج إطار الدولة التقليدية، وحين تُترك دون مسار واضح نحو الاستقرار المؤسسي.
وهكذا، فإن ما يبدو هدوءًا في لحظة، قد يكون مجرد هدنة مؤقتة في دورة أطول من إعادة إنتاج التوتر، ما لم يُكسر منطق البنية ذاتها التي تُنتجه.